Sunday, February 22, 2009
آبادي تدافع عن المعتقلين البهائيين السبعة في ايران؟

شيرين آبادي، القاضية الذي احالتها السلطات الإيرانية الى إدارية بدعوى أنه لا مكان لقاضيات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تحولت إلى أحدى أكبر المدافعات عن حقوق المرأة وحقوق الأنسان بشكل عام في إيران، والتي حازث على جائزة نوبل للسلام لعام 2003 لما تقوم به من جهود في الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران، توكلت بالدفاع عن حقوق المعتقلين البهائيين السبعة ضد إتهامات الحكومة الإيرانية لهم
ولقد صرحت شيرين آبادي بانه لم يسمح لها بلقاء المعتقلين البهائيين السبعة، وفي هذا إنتهاك صريح لحقهم في محاكمة عادلة وتمثيل قانوني. وقالت بأنه يتم منعها قانونيا من مقابة المعتقلين الذي من المفروض أن تترافع في قضيتهم، فهذا إنتهاك صريح لحقوقهم مما يعطيها الحق برفع القضية أمام القضاء الدولي والرأي العام العالمي. وقالت شيرين أبادي بأن دفاعها عن البهائيين يأتي في إطار حرصها على العدل وحقوق الإنسان في إيران رغم الضغوط المباشرة لإجبارها على التوقف عن عملها بشكل عام ودفاعها عن المضطهدين من قبل السلطة ومنهم النساء والبهائيين بشكل خاص. مع العلم أنها ليست بهائية. وقد شددت الحكومة الإيرانية حديثا الضغوط على شيرين آبادي حيث تم إغلاق منظمتها الحقوقية وصرحت انه وقع تحت يدها مرسوم من المخابرات الإيرانية يحرض على قتلها. وتم أخيرا أغلاق مكتبها وإعتقال سكريترتها بتهمة الانتماء للبهائيين! ولقد تعرض بيتها ومكتبها للتشويه بكتابة تهديدات وشعارات تتهمها بالعمالة لأمريكا والدعارة وما إلى ذلك من بذيء الألفاظ. وتوضح آبادي بأن افراد الشرطة الذين دعتهم للتدخل وحمايتها وحماية ممتلكاتها . وقفوا يتفرجون بينما استمر المخربون في أعمالهم ولم تحاول الشرطة إيقافهم أو حتى تعزيرهم على أفعالهم الشائنة. وتؤكد آبادي أن الإتهامات والضغوط التي تواجهها لن توقفها عن الاستمرار في دفاعها عن حريات الايرانيين وحقوقهم الإنسانية
أضغط هنا لمشاهدة مقابلة مع شيرين آبادي تتطرق فيها للنقاط التي ذكرتها ولأمور أخرى تتعلق بحقوق الأنسان في أيران. المقابلة باللغة الإنجليزية
أن دفاع الناشطة الحقوقية الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل عن المعتقلين البهائيين، دليل على أيمانها بقضيتهم ونفاذ صبرها ضد ما تقوم به السلظة الإيرانية من تعسف وظلم ضدهم. . لقد استمعت لشيرين قبل حوالي سنة من حصولها على جائزة نوبل، حين ألقت محاضرة عامة تلخص فيها نشاطاتها. سألناها وقتها عن قضية البهائيين ودورها بالدفاع عنهم، وكان جوابها، "الأمر يبدو ميؤسا منه. ولكننا سنستمر بالمحاولة!" وما توكلها بالدفاع عن المعتقلين البهائيين سوى إثبات أنها "عند كلمتها" ما زالت تحاول... فلا بد أن دفاعها عنهم نابع من إيمانها بقضيتهم
وشيرين أبادي ليست الإيرانية غير البهائية الوحيدة التي تدعم حق البهائيين في المواطنة والحقوق الإنسانية في وطنهم الذي أثبثوا خلال السنين حبهم له وتفانيهم في خدمته ورفع أمره. فلقد أصدرت جماعة من الأكاديميين، والمؤلفين، والفنانين، والصحفيين، والناشطين الإيرانيين المقيمين في كل أرجاء العالم عريضة إعتذار للبهائيين الإيرانيين عن كل الأعمال اللا إنسانية التي إرتكبتها وترتكبها الجمهورية الإسلامية بحقهم . وفيما يلي مضمون الرسالة مترجم عن الفارسية (ترجمت العريضة لأكثر من إحدى عشر لغة) ويمكن الاطلاع على الترجمات بالضغط هنا
فيما يلي نص العريضة - وصل عدد الذين مضوا العريضة أكثر من 500 شخصا وتقبل توقيعات غير البهائيين فقط وما زالت التوقيعات تقبل على صفحات المدونة. للتعرف على اسماء جميع الموقعين، اضغط هنا
إننا نستحي!
يكفي قرن ونصف من الاضطهاد والسكوت!
باسم الخير والجمال وباسم الإنسانية والحرية
إننا كإيرانيين نشعر بالخجل والحياء مما ارتكب بحق البهائيين منذ قرن ونصف من تاريخ إيران.
إننا نؤمن بأن كل إيراني يستحقّ كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في وثيقة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، بغضّ النظر عن العرق، واللون، والجنسية، واللغة، والدين، والعقائد السياسية، أو أية عقيدة أخرى، وبصرف النظر عن الجماعة الإثنية، والطبقة الاجتماعية، والثروة، والأصل أو أي وضعية أخرى. بيد أن منذ ظهور الدين البهائي حتى يومنا هذا، لقد يُحرم أتباع هذا الدين من حقوقهم الإنسانية لمجرّد عقائدهم الدينية.
منذ ظهور الدين البابي ومن ثَمَّ الدين البهائي في إيران، لقد قتل آلاف من مواطنينا بسيوف التعصب والخرافة لمجرّد عقائدهم الدينية وذلك طبقاً للوثائق التاريخية والشواهد المعتمدة. وفي مطلع العقود الأولى بعد تأسيس هذا الدين، قتل حوالي عشرين ألفاً من الذين اعتنقوه في مختلف مدن إيران.
إننا نستحي من أنه في هذه الفترة لم يسجّل أيُّ صوت يعترض على هذه الجرائم الوحشية.
إننا نستحي من أن الأصوات المعترضة على هذه الجرائم الشنيعة كانت ومازالت نادرة وصامتة.
إننا نستحي من أنه بالإضافة إلى القمع الشديد للبهائيين في العقود الأولى بعد تأسيس دينهم، فقد شهد مواطنونا هؤلاء في القرن الماضي حملات الاضطهاد الدورية عليهم، التي طَالَهُم من خلالها تحريق بيوتهم وأماكن عملهم وتهديمها، وواجهت حياتهم وأموالهم وعائلاتهم الظلم القاسي. وبالرغم من كل ذلك فقد ظل المثقفون والمفكرون الإيرانيون ساكتين أمام هذه الفاجعة.
إننا نستحي من أنه على طول السنوات الثلاثين الماضية، قُتل أكثر من مئتين بهائيٍ بناءً على قانون سُنَّ لقتل البهائيين بسبب عقائدهم الدينية.
إننا نستحي من أن جماعة من المثقفين برّرت الإكراه والضغط على المجتمع البهائي في إيران.
إننا نستحي من سكوتنا أمام حرمان البهائيين المتقاعدين من حقوقهم لمعاش التقاعد بعد عقود من الخدمة لأجل وطنهم.
إننا نستحي من سكوتنا أمام آلاف من الشباب الإيرانيين الذين حُرموا من إمكانية الدراسات العليا في الجامعات بسبب إيمانهم بدينهم وصدقهم في الاعتراف به.
إننا نستحي من سكوتنا أمام الأطفال البهائيين الذين واجهوا التحقير في المدارس بسبب عقائد آبائهم الدينية.
إننا نستحي من سكوتنا أمام هذا الواقع الأليم في بلدنا الذي فيه يُقمع البهائيون ويحقَّرون بشكل منظم. ويعتقل العديدُ منهم لمجرّد عقائدهم الدينية، ويُهجم على منازلهم وأماكن عملهم وتهدَّم، ويصل الأمر أحياناً إلى انتهاك حرمة مقابرهم أيضاً.
إننا نستحي من سكوتنا أمام هذا السجلّ الطويل الفظيع المحزن في تهميش البهائيين على يد نظامنا الشرعي ومن قبل قوانين حكومتنا. كما نستحي أمام الاضطهاد وانعدام العدالة للمنظمات الرسمية وغير الرسمية نحو هذا المجتمع من مواطنينا.
إننا نستحي من جرائمنا وجورنا وإنا نستحي من سكوتنا أمام أعمالنا.
نحن موقّعو هذه العريضة نستغفركم أيها البهائيون ولاسيّما ضحايا الجنايات من بهائيي إيران.
لن نسكت أبداً بعد اليوم أمام الظلم المرتكب بحقكم.
إننا واقفون جنباً إلى جنب معكم في التوصّل إلى حقوق الإنسان المنصوص عليها في وثيقة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
لنستبدلْ المحبة والوعي بالجهد والضغينة.
٣ شباط / فبراير ٢٠٠٩
- اول الموقّعين: اضغط هنا للتعرف على أسماء جميع الموقعين
١. ابراهیمی، هادی – رئيس التحرير لجريدة شهرگان – کندا، ونکوور
٢. احمدی، رامین – أستاذ في الجامعة وناشط في حقوق الإنسان– أمریکا، یل
٣. الماسی، نسرین – مدیرة التحریر لجريدة شهروند - کندا – تورنتو
٤. باقرپور، خسرو – شاعر وصحفي – ألمانيا
٥. برادران، منیره – كاتبة وناشطة في حقوق الإنسان – ألمانيا
٦. برومند، رویا – مدیرة إجرائية، موسسة برومند – أمریکا، واشنطن
٧. برومند، لادن – باحثة، مؤسسة برومند- أمریکا، واشنطن
٨. بیضایی، نیلوفر –كاتبة ومخرجة مسرحية – ألمانيا، فرانکفورت
٩. پارسا، سهیل – مخرج مسرحي – کندا، تورنتو
١٠. تقی پور، معصومه – ممثلة ومحرجة مسرحية – السويد، كوته بورك
١١. تهوری، محمد – صحفي – أمریکا، ماساجوست
١٢. جاوید، جهانشاه – ناشر – إیرانیان دات کام – المكسيك
١٣. جلالی چیمه، محمد (م سحر) – شاعر – فرنسا، باریس
١٤. جنتی عطایی، بهی - ممثل وكاتب ومخرج مسرحي – فرنسا، باریس
١٥. چوبینه، بهرام – كاتب وباحث – ألمانيا، کلن
١٦. خرسندی، هادی – هاجٍ– إنجلترا، لندن
١٧. دانشور، حمید – ممثل ومخرج مسرحي – فرنسا، باریس
١٨. درویش پور، مهرداد – أستاذ في الجامعة – السويد، استکهلم
١٩. زاهدی، میترا – مخرجة مسرحية– ألمانيا، برلین
٢٠. زرهی، حسن – رئيس التحرير لجريدة شهروند – کندا، تورنتو
٢١. سهیمی، محمد – أستاذ في الجامعة – أمریکا، كاليفورنيا
٢٢. شفیق، شهلا – كاتبة وباحثة– فرنسا، باریس
٢٣. شمیرانی، خسرو – صحفي – کندا، مونتريال
٢٤. شیدا، بهروز – ناقد وباحث أدبي - السويد، استکهلم
٢٥. عبدالعلیان، مرتضی – عضو هيئة إدارة سی.جی.اف.ای – کندا، اکویل
٢٦. عبقری، سیاوش – أستاذ في الجامعة – الولایات المتحدة، أتلانتا
٢٧. عبقری، شهلا – أستاذة في الجامعة – الولایات المتحدة، أتلانتا
٢٨. فانی یزدی، رضا – محلّل سياسي - أمریکا
٢٩. فرهودی، ویدا – شاعرة ومترجمة – فرنسا، باریس
٣٠. فروهر، پرستو – فنانة وناشطة في حقوق الإنسان – ألمانيا، فرانکفورت
٣١. قائمى، هادی – منسّق حملة دولية لحقوق الإنسان في إیران - أمریکا
٣٢. قهرمان، ساسان – كاتب وصحفي - کندا، تورنتو
٣٣. قهرمان، ساقی – شاعر وصحفي - کندا، تورنتو
٣٤. کاخساز، ناصر – باحث ومحلّل سياسي – ألمانيا، بوخوم
٣٥. کسرایی، فرهنگ – كاتب وممثل مسرحي – ألمانيا، ویسبادن
٣٦. کلباسی، شیما – شاعرة – أمریکا، واشنطن
٣٧. ماهباز، عفت – ناشطة في حقوق المرأة وصحفية – إنجلترا ، لندن
٣٨. مساعد، ژیلا – شاعرة وكاتبة – السويد، كوتبورك
٣٩. مشکین قلم، شاهرخ – ممثل ورقاص – فرنسا، باریس
٤٠. مصلی نژاد، عزت – كاتب وناشط في حقوق الإنسان- الجمعية الكندية لضحايا التعذيب– کندا، تورنتو
٤١. ملکوتی، سیروس – عازف وملحّن ومدرّس الغيتار الکلاسیکي – إنجلترا ، لندن
٤٢. وحدتی، سهیلا – ناشطة في حقوق الإنسان – أمریکا، كاليفورنيا
في الواقع هذا الدعم الصريح من قبل العناصر التقدمية الإيرانية من غير البهائيين لقضية البهائيين الإيرانيين، بادرة كريمةتستحق الشكر والتقدير ودليل على وعيهم ونفاذ صبرهم من الممارسات التعسفية التي يخضع لها الشعب الأيراني تحت وطأة سياسات الجمهورية الأيرانية الإسلامية. يبدو أن "الكيل طفح لدى الإيرانيين" الذين يرون الوطن ينزف وافراد الشعب يبتذلون، ويظلمون، ويعانون. فرفع البعض أصواتهم منادين بالإصلاح وحقوق المواطنة للبهائيين وللآخرين. والسؤال هنا: كيف نستمر بدعم قضية البهائيين وحقوق كل المضطهدين وننتقل من حيز الدعم المعنوي الصامت الى تحريك وتفعيل الوعي الجماعي بمثل هذه القضايا؟ وكيف نحفز بعض اصحاب النفود الديني الذين يؤمنون بنفس مباديء حقوق الأنسان والمواطنة في إيران أمثال حجة الأسلام الملا حسين علي منتظري وأخرين من الذين لهم الشرعية في الكلام والفتوى تحت ظروف إيران الحالية، بأن ينقلوا قضية حقوق البهائيين إلى حيز التنفيذ والضغط لوقف الإجراءات التعسفية والإبادة الجماعية ضدهم وإنتهاكات حقوق الانسان الأخرى التي تمارسها الحكومة الإيرانية تحت راية الإسلام والدين والوطن. خاصة وأن "منتظري" نفسه يعرف معنى الإعتقال في سجن أيفين الذي نزل فيه معتقلا خلال فترة حكم الإمبراطور محمد علي رضا في إيران، والذي تحتجز فيه السلطة الإيرانية البهائيين السبعة وغيرهم من سجناء الرأي
وإني أناشد الجميع، كل حسب قدراته، بعمل ما يستطيع لدعم هذه القضية وكل القضايا العادلة التي تسمح لنا جميعا ان نبني لنا وللأجيال القادمة عالما أكثر سلاما ومحبة وعدلا
Friday, February 20, 2009
رسالة سجين رأي بهائي

لم أكتب في هذه المدونة خلال العام الماضي لأسباب عديدة لن أدخل في تفاصيلها الآن، ومع أن اسباب عدم تدويني ما زالت قائمة، إلا أنني لم استطيع ان اقاوم التدوين اليوم حين وصلتني رسالة إبن أحد المساجين البهائيين في إيران والذين أعلنت الحكومة الإيرانية بأنها ستقدمهم للمحاكة قريبا. فكرت بكل مساجين الرأي الذين عرفتهم، وبالخصوص فكرت بصديق حميم لي أمضى بعض الوقت في سجون وطننا العربي متهم بحب الوطن، بدأ يكتب لي من جديد ليقص علي معاناة مضى عليها أكثر من خمسة وعشرين عاما لكنها مازالت محفورة في ذاكرته كالوشم. فكرت بأصدقائي الآخرين الذين دخلولوا السجون لما حملوه من قناعات في آواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، فكرت بالأمهات والأخوات والزوجات والحبيبات اللواتي أعرفهن. إمتلئت حتى الغثيان بآلآمهن ومعاناتهن.
فكرت بصديقي الروائي العراقي الكبير محمود سعيد وفترات سجنه في سجون صدام، وما ذكر لي عن تلك الفترة من حياته بالإضافة إلى ما دونه في روايته "أنا الذي رأى" والتي تحملك الى داخل جدران سجون العراق ومعتقلاتها، وتسمح لكل بالتعرف على أفرادها ، تملأ مشامك برائحة البراز والعرق المعتق، تترك في فمك طعم الدم اللزج، وتدفعك لأن تتحسس كتفك ومعصمك ومناطق أخرى من جسدك لتتأكد بان الألم الذي انتابها فجأة ليس إلا من رسم قلمه المبدع.
حين قرأت رسالة إبن السجين البهائي، وكانت رسالته قد وصلتني باللغة الأنجليزية، تبددت فوارق اللغة، وبدت الكلمات مألوفة جدا، تشبه في تراكيبها ما يكتبه لي صديقي العربي عن معاناته، وما كتبه محمود سعيد عن تجربته، وما سطرته أقلام العديد من سجناء الرأي الذين عرفوا أبعاد الألم البشري في زنازين الوطن. بدت كل هذه التجارب متصلة بذلك الحبل الخفي الذي يغذي إنسانيتنا ويحرك أعمق درجات الوعي والشفافية فينا . صارت آلآم البهائي الذي لا أعرفه شخصيا ولكنني انتمي له بالعقيدة والأصل إمتدادا لآلآم اصدقائي العرب الذين انتمي لهم بالميلاد والثقافة. لم تعد الهوية عندي محور نقاش عاطفي وفكري وانما توحدت في دائرة الألم التي تصقل خطوط إنسانيتنا. لذلك قررت أن أدون اليوم. ربما لأتخلص من آلآمهم التي تكاد تخنقني، وربما لأنقلكم معي إلى تجربة الإبن البهائي، لعلها تتصل في زاوية من زواياها بتجربتكم
فإليكم نص خطابه
أود أن أشارككم ببعض الكلمات عن تجربتي الخاصة ومشاعري فيما يتعلق بوضع البهائيين في إيران: عن عائلتي، عن أصدقائي، وعن نفسي. ما سأشارككم به هو مشاعري وأفكاري، والإشكالات التي أواجهها كل يوم، كإيرني، كبهائي، كعضو من أعضاء العائلة البشرية، وكفرد يقبع والده سجينا في أحد أسوء سجون العالم. سجن أفين "زندان اوين" في شمال طهران، على أعلى التلال، بزراديبه القابعة في جوف الأرض، وغرف تعذيبه، المحاطة بأسوار عالية بالغة السُمك.
أتذكر الوقت الذي كنت أعمل في مشروع بناية عالية مما منحني فرصة معاينة السجن عن قُرب. فكلما ارتفعت البناية أكثر وأكثر، صار بإمكاني أن أحضى بمنظر أكثر وضوحا لذلك المكان الرهيب. لهذا ما زلت أتذكر بوضوح الابعاد غير المنتطمة التي ترسم حدود مبنى سجن أفين. هذه الصورة التي ترافقني حين أذهب للنوم، وحين أنهض من النوم في الصباح، أحاول أن أتخيل أبي فيه. أعرف كيف يبدو. قبل ثلاث سنوات، كان والدي في السجن وقت آخر بسبب عقيدته البهائية. عندما حصلنا بعد إنتظار طويل على إجازة بزيارته، لم أستطيع أن أصدق أن الشخص الذي يقف أمامي هو والدي. شاحب، ضعيف، بلحية طويلة، وشعر طويل، في ملابس السجن الفضفاضة. حين أخذوه رأيته يعرج. الأن بامكاني أن أتخيل كيف يبدو، ولكن على أن أضيف إلى تلك اللوحة كل ما أتذكره عن أصدقاءه. علي أن أستعمل مخيلتي مثل برنامج التصوير الألكتروني لأضيف لحا لوجوه أصدقاءه الأربعة المبتسمة. علي أن أجعلهم يبدون أكبر سنا، أكبر بعدة سنوات مقابل كل سنة أمضوها في السجن. علي أن أتخيل عيونهم الفرحة مليئة بالحزن. تعبة من التحقيق المستمر تحت الأضواء الساطعة المركزة. علي أن أتخيل ما يبدو عليه أبي وأصدقاءه اليوم بعد تسعة أشهر من التحقيق المأساوي الذي يلازمه أبشع الالفاظ التي لم تقع على مسامعهم من قبل وأكثرها إهانة. هل تعلمون بأن إتنين من المعتقلين نساء. لا يمكنني أن أتخيل هاتان السيدتان تحت هذه الظروف. هذا ما يسمونه "التعذيب الأبيض". تفقد الكلمات معناها. حين أسمع كلمة "أبيض" لم يعد الثلج يخطر على بالي، أو حمامة السلام. التعذيب هو ما يخطر على بالي هذه الأيام مرافقا لكلمة "أبيض". التعذيب الأبيض يعني كل مشاكل العظام التي يعاني منها والدي من جراء فترة مكوثه في السجن، التعذيب الأبيض يعني ان "وحيد"، أحد أصدقاء والدي الذي يبلغ الخامسة والثلاثين عاما يفقد بصره نتيجة الضغوط التي أدت الى تحطيم أعصاب عينيه. التعذيب الأبيض يعني حرمان أم من قضاء الوقت مع إبنتها المراهقة لشهور عديدة. لدي فقط بعض اللحظات لأخبركم عن أبي وأصدقاءه، ولكن هذا نهج حياة أكبر أقلية غير مسلمة في إيران. هذه حياة أي من ينتمي الى الجامعة البهائية والتي تتألف من أكثر من ثلائمائة ألف نسمة. مجموعة محرومة من كل شيء. محرومة من حقوقها المدنية منذ لحظة الميلاد حتى لحظة الموت. أفرادها محرومون من أن يمنحوا أية أسماء لها دلالة بهائية حين يولدون. محرومون من أن يكون لهم يوما واحدا يسيرا في المدرسة دون ان يشار لهم بالبنان وينحون جانبا، محرمون من التسجيل في المدارس حسب مؤهلاتهم ومواهبهم، محرمون من التعليم العالي، محرمون من شهادات الزواج، محرمون ليس فقط من الوظائف الحكومية ولكن من التوظيف في العديد من المؤسسات الخاصة التي تخضع لضغوطات الحكومة. محرومون من إنشاء تجارتهم الخاصة دون أن تدرج أسمائهم في لائحة حراس الثورة في اللائحة السوداء، محرومون من شواهد القبور ليرتاحوا بسلام دون ان تهز جثثهم في توابيتها مرات عديدة في العام تحت وطئة آلآت حفر الجمهورية الإسلامية. محرومون من انتخاباتهم الإدارية ومؤسساتهم.
كان أبي وأصدقاءه سبعة أعضاء من أعضاء هذه الجامعة من افراد المجتمع العاديين، والممتدة في كل نواحي إيران. كل ما كان مناط اليهم هو لم شمل هذه الجامعة. منحهم الشعور بمجتمع له كرامته وهويته في غياب أية هيئات إدارية تمثل هذه الجماعة والتي حرّمت وجودها قانونا الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهاهم الآن يتهمون من قبل السلطات بإتهامات مفبركة باطلة. أذكر تسعة أشهر ماضية تلت إقتحام منزل والديّ. كنت أكلم والدتي، واشعر بها ترتجف على الطرف الآخر من الخط بينما كانت تخبرني عن ما دار بينها وبين أحد أفراد المخابرات. كانت تحزم كنزة دافئة لوالدي بينما كانوا يأخذونه بعيدا، لكن المخبر رفض ان يسمح له بأن يأخذ الرزمة قائلا لها: "لن يحتاج الى ملابس بعد اليوم، فقط الأحياء يحتاجون للثياب"! مضى على حادثة سجن والدي تسعة اشهر. مضى أكثر من تسعة أشهر وأنا أعمل على تكوين الصورة في مخيلتي، أتخيل أوضاع أبي. مرة رسمته في الحبس الإنفرادي، ثم في غرف التحقيق. حاولت أن أتخيله جالسا على كرسي خشبي لأكثر من عشرين ساعة يواجة إثنين من محققي المخابرات يعمي بصيرتهم التعصب الديني الأعمى. نقلت والدي في لوحتي من الحبس الإنفرادي الى الصالة العامة، ثم أعدته الى زنزانة صغيرة بلا سرير، دون أغطية كافية، ينام على أرض الإسمنت البارد مع اصدقاءه الأربعة في شتاء طهران القارص. والآن أعمل في زواية أخرى من هذه اللوحة الذهنية الشاسعة. أرسم محكمة، لكنني لا أرى محام. من الراجح أنه لن يكون بامكانهم الاتصال بمحاميهم. هل علي أن أرسم أبي وأصدقاءه عائدين إلى السجن بعد المحاكمة؟ هل لي أن أنقله مرة أخرى بين جدران سجن إيفن في رسوماتي الخيالية ؟ من الحبس الإنفرادي، إلى غرف التحقيق، الى مقاعد التعذيب، الى زنزانات أكبر مع أصدقاءه.
حين أنظر بإمعان إلى هذه الصورة المؤلمة، أرى هناك جزء آخر من هذا السجن بأعمدة من الخشب او الحديد، ومخارج حديدية، وأدوات رفع تدار باليد، وآلات رفع، وحبال مشنقة. يرفض عقلي أن يسمح لي بأن أنقل أبي واصدقاءه الى تلك الزاوية من السجن.
كتبها إبن أحد السجناء البهائيين بتاريخ 18 مايو 2008
Friday, May 23, 2008
آية الله ينادي بحماية حق المواطن البهائي في إيران
بدأ آية الله حسين على منتظري صفحة جديدة في تاريخ إيران الحديث المنعلق بموقف الثورة الإسلامية الايرانية من مفهوم المواطنة وحق المواطنين الإيرانيين حين أعلن نص ما يلي
بسم الله تعالى
مع السلام والتحية
إن أتباع الفرقة البهائية ليسوا وفقا لنص الدستور الايراني أصحاب كتاب سماوي كما هو حال المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين، وبذلك لا يعتبروا إقلية دينية. ولكن بما أنهم أهل هذا البلد، فلهم حقوق الاستمتاع بماءه وترابه ولهم كل حقوق المواطن فيه. كذلك يجب أن يتمتعوا بالرأفة التي حث عليها الاسلام وأمر بها القرآن واكدها أولياء الدين
وفقكم الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
25-2-1378 شمسي
توقيع (حسين منتظري) وختم الموقع
ويأتي هذا الرأي الذي أدلى به منتظري وهو أحد أهم قادة الإنقلاب الإسلامي في إيران، رئيس مجلس خبراء الدستور والمرشح السابق لخلافة الامام الخميني، مخالفا لممارسات السلطة الإيرانية منذ بداية الثورة والتي عززتها نشاطات منهج جماعة الحجتيه والتي ينتمي البها العديد من القادة الإيرانين ومن ضمنهم الرئيس الإيراني الحالي أحمدي نجاد بمحاولات شتى للقضاء على الجامعة البهائية الايرانية والتي كانت تشكل أكبر أقلية دينية في إيران قبل بداية الثورة الاسلامية. ومن أهم أسباب العداء تجاه البهائيين والمنهجدية المتبعة للإبادتهم من إيران هو الاختلاف حول شخصية المهدي المنتظر حيث يعتقد البابيون والبهائيون أن علي محمد الشيرازي المعروف بـ "الباب" هو المهدي المنتظر بينما "يتمحور فكر جماعة الحجتيه حول شخصية المهدي المنتظر، إذ تنفي أي ظهور للمهدي في الماضي، وتدعو إلى انتظاره في المستقبل. لقد أعلنت الحجتية سابقا أن كل عمل او سياسة أو منهج يجب أن يكون هذفه التعجيل في توفير الظرف التي تهيء عودة الإمام الغائب. ونتجدة لإعتقاد البهائية بان وعودات ظهور الامام الغائب تحققت بإعلان الباب دعوته مما يهدم الاساس الذي تقوم عليه سلطة وسيادة الحجتيه التي يتركز نشاطها وتواجدها على التحضير لظهور الامام الغائب فلقد رأت الحجتية في البهائية أكبر خطر على تواجهدها وركزت جهودهاعلى القضاء على البهائيين الذين يعتقدون أن المهدي المنتظر قد ظهر وليس هناك سبب لانتظاره. ومن الجدير بالذكر أن الحجتيه ربطت ظهور الإمام الغائب بانتشار الفوضى والفساد في الأرض، إذ قالوا أن التعجيل بخروج الإمام الغائب يكون بإشاعة الفساد والظلم، والإكثار من القسوة، فبخروجه يملأ الأرض عدلاً، ولا يتحقق هذا إلا بإخلاء الأرض من أي ذرة خير وعدل، وتمكين الشر منها. في حين تدعو البهائية الى الخير والسلام والإصلاح الإجتماعي مما يتنافي مع ما تراه الحجتيه سببا في تعجيل ظهور الإمام المنتظر. لقراءة المزيد عن منهج الحجتيه واساس مقاومته للبهائية اضغط هنا . ولقد توجهت جهود الحجتية من بداية تأسيسها لمحاربة البهائية التي انتشرت في إيران انتشاراً لافتاً، حتى شكل البهائيون أكبر أقلية دينية في إيران. ويقول فيصل نور في مقال نشره في موقعه عن الحجتية أن الجماعات الاسلامية دعمت الحجتيه في صراعها ضد البهائية لتحد من إنتشار البهائية بين صفوفها
ولقد تعارض اعتقاد الحجتيه بأن "لا ولاية إلا لولاية الإمام الغائب عند روجوعه" مع أطماع البعض في إنشاء دولة إسلامية شيعية على اساس "ولاية الفقيه" التي أصلها الخميني وطوّرها ومارسها والتي تقوم أساساً على أنه لا بد أن يؤسس فقهاء الشيعة الدولة نيابة عن الإمام الغائب، ويمارسوا دوره السياسي، كما يمارسون دوره الفقهي والاجتماعي. و كان الخميني يعتقد بأنه لا يجوز أن يظل الشيعة في مرحلة انتظار لا تُعرف مدتها. يناء على مقال الحجتيه المنشور على موقع فيصل نور "عندما قامت الثورة الإيرانية سنة 1979، وتمكن الخميني من إقامة دولة "ولاية الفقيه"، خلافاً لما يؤمن به الحجتية، جاء محمود الحلبي (مؤسس الحجتيه) إلى الخميني مهنئاً، واعتبر انتصار الثورة تمهيداً لخروج الإمام الغائب، ومقدمة له، وأعرب عن وضع جميع كوادر حركته في خدمة الثورة، وخاصة العسكريين منهم، فقبل الخميني ذلك بشرط أن يحل الحلبي تنظيمه". وقد عبرت الحجتية عن سياستها ومواقفها الجديدة بتعديل ميثاقها، الذي جاء بعد التعديل كما يلي: "إن الجمعية رغبة في استمرار نظام الجمهورية الإسلامية حتى ظهور المهدي المنتظر ـ أرواحنا فداه ـ نجد من واجبنا أن نقوم بأي خدمة في المجالات السياسية والاجتماعية اتباعاً لتوجيهات الزعيم العالي القدر، حيث يستطيع أفراد الجمعية الاشتراك في أي نشاط إعلامي أو سياسي أو عسكري أو اجتماعي، تحت إشراف أو موافقة مراجع الشيعة العظام". اضغط هنا لقراءة المقالة كاملة
وأما بالنسبة للمنتظري فقد عُرف بتأيدة المطلق في بداية الثورة لمبدأ "ولاية الفقيه" ويقول البعض ومنهم أحمد الكاتب بان المنتظري يدعي بأنه نادى بها قبل الخميني. ولقد حرص المنتظري في دعمه لولاية الفقيه على أن يكون الاسلام المرجع التشريعي في إيران، ويقال بأنه نادى بأن يدرج في الدستور بشكل واضح بأن المرجعية هي لاحكام وفقه الشيعية الإنتى عشرية على وجه التحديد. ولقد كان آية الله حسين منتظري من أكبر مؤيدي الخميني في فكره وطموحة وعمل معة جنبا الى جنب على تأسيس الدولة الشيعية في إيران. ويقال أن آية الله خميني عمل على أن يتم إختيار المنتطري ليخلفه في السلطة والولايه كقائدا مرجعا للتشريع بسبب إتفاقه معه ودعمه لولاية الفقيه. ولكن علاقة الخميني بالمنتظري توترت نتيجة تصريحات أدلى بها المنتظري مطالبا بإعطاء المواطن الايراني حقوق المواطنه معلنا أن عدم القيام بذلك يتنافى مع مباديء الاسلام والقرآن ومراجع التشريع وما قامت عليه الثورة الإسلامية في إيران. وازدادت هذه العلاقة سؤا حين عارض المنتظري سياسة الخميني فيما يتعلق بحقوق المواطن وحرياته والاعدامات التطهيرية للمعارضين التي قام بها النظام الاسلامي في إيران في تلك الفترة والتي كان من ضمن ضحاياها بعض المعارضين المسلمين. وأدى موقف المنتظري هذا الى إعلان تنحيته عن منصبه كخليفة للخميني وتبع ذلك وضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله ولم يتم الافراج عنه الا بعد مطالبة إتباعه ومؤيده بذلك.
ويأتي نصريح المنتظري الجديد بخصوص حق البهائيين في المواطنه والرأفة متفقا مع مواقفه السابقه بدعم حقوق المواطنة للإيرانيين. وهو خظوة وموقفا جريئا جدا خاصة في ضوء انتهاكات حقوق المواطن الإيراني تحت قيادة الرئيس الايراني الحالي محمود أحمدي نجاد الذي يعتقد العديد بأنه من إتباع الحجتية بناء على العديد من الشواهد من ضمنها تصريحاته العديدة التي تنوه ان كل سياساته يجب أن يكون الهدف منها التعجيل في ظهور الإمام الغائب وقوله "إن المهمة الرئيسية لثورتنا هي تمهيد الطريق لظهور الإمام المهدي الثاني عشر" ويبدو فكره هذا واضحا على الصعيد المحلي والعالمي بما في ذلك الخطاب الذي القاة في الجمعية العامة للأمم المتحدة اضغط هنا لقراءة ما كتبته جريدة الوطن عن تصريحات الرئيس الايراني بهذا الخصوص وردود الفعل الداخلية والخارجية لهذه التصريحات
وكما هو واضح مما تم عرضه سابقا، فان عداء بعض فرق الشيعة الإيرانية المفرط للبهائيين قائم على اختلافات دينية، ترى القيادات الدينية وخاصة الحكومة الايرانية الحالية أن في انتشارها خطرا على سيادة وسلطة هذه القيادات المبنية بشكل جذري على مبدأ عودة الامام الغائب وما يترتب عليها من عادات وممارسات. وانا أنوه بالذين يحاولون التوصل إلى حقائق الامور بأن يقوموا بدراسة موضوعية لتاريخ هذه التهم واسباب عداء هذه الفرق للبهائيين واضهادهم لهم ومحاولة إبادتهم
ومن الغريب أن معظم التهم التي يعزوها رجال الدين المسلمين السنًة، بما فيهم الأزهر للبهائيين قائمة على بعض ما تؤمن به جماعات من أتباع الشيعة، كالتقية وغيرها، لا يمت بصلة للعقيدة البهائية ومبادئها واحكامها وممارسات اتباعها. وإن دل هذا على شيئ فإنه يدل على عدم حرص بعض علماء المسلمين على البحث والدراسة والمعاينة والتأكد من صحة المعلومات قبل اصدار الفتاوي التي تصبح منهجا لبعض المسلمين يبنون على أساسه قراراتهم وافكارهم ومعتقداتهم فيما يتعلق بمواضيع سلوكية وحياتية شتى ومن ضمنها تصورهم للبهائيين. ولعل الموقف الشجاع الذي اتخذه منتظري بحق البهائيين يحفز رجال الدين الآخرين من الشيعة والسنُة على العمل بمباديء الاسلام الحنيف بدل استغلال تقة اتباعهم لنشر سياسة التكفير والتخويف والتسلط والتحكم، ويشجع عامة الناس على تقصي الحقائق بأنفسهم والابتعاد عن التقليد دون "تبين" الأمور
Wednesday, November 28, 2007
مشروع "طاقة فرج" للبهائين في مصر
كتب محمود محمد في ٢٧ نوفمبر ٢٠٠٧، في جريدة المصري اليوم خبرا مفاده أن لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب قررت استدعاءوزراء الداخلية والخارجية والعدل، ورئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لمناقشة مدى مراعاة الأجهزة المعنية في الدولة تقارير حقوق الإنسان الصادرة عن المنظمات المحلية والإقليمية والدولية
وأضاف أن لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب تعهدت في تقرير لها حول خطة عملها خلال الدورة البرلمانية الحالية، "بدراسة تقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان ومدي التزام الوزارات المعنية بتنفيذ توصياته، وبحث الشكاوي التي ترد إليها من المواطنين في الداخل والخارج، ومتابعة موقف حقوق الإنسان في العالم، وبصفة خاصة في المنطقة العربية والأفريقية، وعرض محصلة مناقشاتها علي النواب لإعلان رأي مجلس الشعب فيها للرأي العام الوطني والعالمي." وهنا نص المقال
قد تكون هذه المبادرة مؤشرا على أن الحكومة المصرية قررت التحرك والنظر في موقفها من قضايا وحقوق الإنسان في مصر والتأكد من إدراك المعنيين في الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة أهمية فهم والالتزام بهذه القرارات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي صدقت عليها مصر مما يلزمها بها دوليا، خاصة وأن مصر الآن تتصدر دورا قياديا وتتحمل مسؤولية دولية فيما يتعلق بتطبيق هذه القرارات والنظر في التزام الدول الأخرى بها نتيجة انتخابها عضوا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذي ادرجت نتاجه في منشوراتها، وحدث هذا رغم الاتنقادات المستمرة التي تواجهها مصر نتيجة لممارساتها والحالية وعدم تأمين هذه الحقوق لمواطنيها داخل مصر والتي يضمنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان. اضغط هنا لقراءة نص الاعلان
وكان قد سبق هذا القرار تأكيدا من الدكتور بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مقال نشرته جريدة المصري اليوم بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٧ على "ضرورة أن تتحول مبادئ المواطنة في الفترة المقبلة إلي سياسات وقوانين محترمة، للحد من التمييز، سواء علي أساس الجنس أو الدين أو العرق." وهنا نص المقال
وأكد المقال أن الدكتور بطرس غالي دعا خلال افتتاحيه مؤتمر «المواطنة عدالة ومساواة» الذي نظمه المجلس القومي لحقوق الإنسان "جميع الوزارات والهيئات ومؤسسات المجتمع المدني للتشاور حول ما سيصدر عن المؤتمر من توصيات"، واقترح "استحداث لجنة دائمة لمنع التمييز، كما هو الحال في ديوان المظالم في المملكة المغربية والهيئة العليا في فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية." وتعتبر هذه دعوة واضحة وجريئة من قبل الدكتور غالي لمعالجة الوضع الراهن الذي تعيشه مصر
وأضاف المقال أن الدكتور بطرس غالي طالب مجلس الشعب، بضرورة مناقشة مشاريع أخرى تتعلق بقوانين تخص دور العبادة وجريمة التعذيب. وعلق بعض الأعضاء منهم الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، نائب رئيس المجلس على الموضوع قائلا: «هناك الكثيرون الذين يتحدثون عن حقوق الإنسان، وهم لم يتعلموا أدني الحقوق التي يطالبون بها»، وأضاف، «دعونا نعترف بأن سجل حقوق الإنسان في مصر ضعيف». أن مثل هذه التصريحات بدأنا نرى الموقف بوضوح أكبر، وأن في هذه الدعوة الصريحة للإصلاح مشروع طاقة فرج للبهائيين المصريين وغيرهم. اضغط هنا لقراءة المقال
لقد علمتنا الظروف السابقة الحذر في توخي الحلول العادلة، ومع ذلك لا يسعني إلا أن أعبر عن التفاؤل بهذه المبادرة الجديدة وما قد ينجم عنها. فربما يكبر مشروع طاقة الفرج هذه وتصير مصر وطنا عادلا تحكمه قوانين تكفل حقوق مواطنيه وتسمح لهم بالعيش الكريم والمشاركة في مسيرة العطا. قوانين عادلة وواضحة لا تقبل اللبس والتأويل، يطبقها الحكام والإداريين رغبوا أو رغم أنفهم. عندها فقط يصير بإمكان مصر أن ترفع رأسها شامخا وتساعد في قيادة العالم نحو مستقبل أفضل. فلقد آن الأوان لأن تفعل ذلك. ونرجو أن تكون النتائج التي تأمل اللجنه بإعلانها لـ "الرأي العام الوطني والعالمي" كما جاء في نص التصريح، مشرفه و"بترفع رأس" مصر وكل المصريين والعرب
وأضاف أن لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب تعهدت في تقرير لها حول خطة عملها خلال الدورة البرلمانية الحالية، "بدراسة تقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان ومدي التزام الوزارات المعنية بتنفيذ توصياته، وبحث الشكاوي التي ترد إليها من المواطنين في الداخل والخارج، ومتابعة موقف حقوق الإنسان في العالم، وبصفة خاصة في المنطقة العربية والأفريقية، وعرض محصلة مناقشاتها علي النواب لإعلان رأي مجلس الشعب فيها للرأي العام الوطني والعالمي." وهنا نص المقال
قد تكون هذه المبادرة مؤشرا على أن الحكومة المصرية قررت التحرك والنظر في موقفها من قضايا وحقوق الإنسان في مصر والتأكد من إدراك المعنيين في الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة أهمية فهم والالتزام بهذه القرارات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي صدقت عليها مصر مما يلزمها بها دوليا، خاصة وأن مصر الآن تتصدر دورا قياديا وتتحمل مسؤولية دولية فيما يتعلق بتطبيق هذه القرارات والنظر في التزام الدول الأخرى بها نتيجة انتخابها عضوا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذي ادرجت نتاجه في منشوراتها، وحدث هذا رغم الاتنقادات المستمرة التي تواجهها مصر نتيجة لممارساتها والحالية وعدم تأمين هذه الحقوق لمواطنيها داخل مصر والتي يضمنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان. اضغط هنا لقراءة نص الاعلان
وكان قد سبق هذا القرار تأكيدا من الدكتور بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مقال نشرته جريدة المصري اليوم بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٧ على "ضرورة أن تتحول مبادئ المواطنة في الفترة المقبلة إلي سياسات وقوانين محترمة، للحد من التمييز، سواء علي أساس الجنس أو الدين أو العرق." وهنا نص المقال
وأكد المقال أن الدكتور بطرس غالي دعا خلال افتتاحيه مؤتمر «المواطنة عدالة ومساواة» الذي نظمه المجلس القومي لحقوق الإنسان "جميع الوزارات والهيئات ومؤسسات المجتمع المدني للتشاور حول ما سيصدر عن المؤتمر من توصيات"، واقترح "استحداث لجنة دائمة لمنع التمييز، كما هو الحال في ديوان المظالم في المملكة المغربية والهيئة العليا في فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية." وتعتبر هذه دعوة واضحة وجريئة من قبل الدكتور غالي لمعالجة الوضع الراهن الذي تعيشه مصر
وأضاف المقال أن الدكتور بطرس غالي طالب مجلس الشعب، بضرورة مناقشة مشاريع أخرى تتعلق بقوانين تخص دور العبادة وجريمة التعذيب. وعلق بعض الأعضاء منهم الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، نائب رئيس المجلس على الموضوع قائلا: «هناك الكثيرون الذين يتحدثون عن حقوق الإنسان، وهم لم يتعلموا أدني الحقوق التي يطالبون بها»، وأضاف، «دعونا نعترف بأن سجل حقوق الإنسان في مصر ضعيف». أن مثل هذه التصريحات بدأنا نرى الموقف بوضوح أكبر، وأن في هذه الدعوة الصريحة للإصلاح مشروع طاقة فرج للبهائيين المصريين وغيرهم. اضغط هنا لقراءة المقال
لقد علمتنا الظروف السابقة الحذر في توخي الحلول العادلة، ومع ذلك لا يسعني إلا أن أعبر عن التفاؤل بهذه المبادرة الجديدة وما قد ينجم عنها. فربما يكبر مشروع طاقة الفرج هذه وتصير مصر وطنا عادلا تحكمه قوانين تكفل حقوق مواطنيه وتسمح لهم بالعيش الكريم والمشاركة في مسيرة العطا. قوانين عادلة وواضحة لا تقبل اللبس والتأويل، يطبقها الحكام والإداريين رغبوا أو رغم أنفهم. عندها فقط يصير بإمكان مصر أن ترفع رأسها شامخا وتساعد في قيادة العالم نحو مستقبل أفضل. فلقد آن الأوان لأن تفعل ذلك. ونرجو أن تكون النتائج التي تأمل اللجنه بإعلانها لـ "الرأي العام الوطني والعالمي" كما جاء في نص التصريح، مشرفه و"بترفع رأس" مصر وكل المصريين والعرب
Sunday, November 11, 2007
رسالة أم بهائي مصري
لم أكتب منذ أكثر من أربعة أشهر، فلقد بدأت أشعر أن القضية قد بلغت مرحلة التصلب، وأن "لا حياة لمن تنادي". وازدادت الأحداث خلال الشهور الماضية من قناعتي بأن القضية في الحقيقة ليست قضية البهائيين بشكل مباشر، رغم أنهم المتضررون من نتائجها ، وإنما هي قضية مصر والمصريين... إن الأسطر القليلة السابقة هي بداية مقالة وبحث مفصل بدأت بكتابته عن قضية البهائيين المصريين. وببنما كنت أحاول أن أعيد قراءة مقالتي قبل نشرها، والتي اعتقدت أن فيها تلخيصا للوضع الحالي ودراسة موضوعية علمية لما يحدث في مصر، فكرت بأن أمر على مدونة البهائي المصري ، فأنا لم أمر عليها منذ فترة. وهناك أطلعت على رسالة من أمه نشرها في 25 أكتوبر ورأيت أن هذه الرسالة أكثر بلاغة من أي تحليل موضوعي علمي او دراسة قد أقوم بها أو يقوم بها الكثير من أصحاب الشهادات العلمية والمراكز المرموقة. ففي الرسالة "لب" الموضوع وحقائق الأمور، كما تراها أم، وما أصدق الأمهات! وإليكم بنص الرسالة
ولدي الحبيب
ياحسرة علي الماضي الجميل القريب
كنت أتمني لكم أن تعيشوا أياما أسعد من أيامنا ولكن للأسف يؤلمني كثيرا أن أيامكم أسوأ بكثير من كل النواحي فبالرغم مما تتغني به الأنظمة والمؤسسات بمبادئ الحرية والديموقراطية .. التي يبدو أن لا وجود لها إلا لأغراض الدعاية في المؤتمرات الكلامية والمقالات الإنشائية في الجرائد
كم كانت سعادتي اليوم وأنا أقلب أوراقا عائلية قديمة فوجدت عقد زواج جدك وجدتك مؤرخ 1938 ولأنهما يدينان بالديانة البهائية فقد تم عقد الزواج حسب الشريعة البهائية وكانوا في قريتهم (كوم الصعايدة مركز ببا مديرية بني سويف) بصعيد مصر وكم كانت سعادتي أيضا عندما وجدت شهادة ميلادي الصادرة في عام 1943 من مديرية الصحة ببا بني سويف وبها خانة الديانة بهائية. وكلما احتجت لصورة من سجلات المواليد صدرت بنفس البيانات دون تحريف أو تدخل للتزوير من أي جهة
هناك في هذه المنطقة من العالم عام 1925 صدر حكما قضائيا بمحكمة ببا الشرعية كان له كل الأهمية في تاريخ الديانة البهائية بمصر. فبعد الاضطهاد الشديد لمن اعتنقوا الدين البهائي من هذه القرية وبعد أن أقام مأذون القرية دعوي الحسبة يطلب التفريق بين الأزواج لأنهم كانوا قد تزوجوا بعقود اسلامية واعتنقوا الدين الجديد وجاء نطق الحكم من أعلي الجهات الشرعية الاسلامية باستقلال الدين البهائي عن باقي الديانات والاعتراف به دينا جديدا له أصوله وأحكامه. وبناء علي دعوي الحسبة فقد حكم بالتفريق بين الأزواج وكان جدي وجدتي لأمي من ضمن المدعي عليهم ورفضت جدتي (المرأة الصعيدية) تنفيذ الحكم ووقفت أمام أشقاء وأعمام من أسرتها االمتشددين حيث المرأة لا رأي لها وكان يؤازرهم مأذون القرية وتشجعوا بحكم المحكمة لأخذ ابنتهم ولكن بإصرارها علي حقها في تقرير عقيدتها رفضت تنفيذ حكم المحكمة واستمر زواجهما حتي نهاية العمر
وأذكر أياما بعد أن هدأت الأموركيف عشنا نحن الأبناء مع آبائنا وأمهاتنا لسنوات في هذه القرية بكل احترام ومحبة مع أهل هذه القرية كانوا ينزلون ضيوفا في بيتنا وكنا نحتفل معهم بمناسباتهم الدينية والاجتماعية من حلقات ذكر يذبح فيها الذبائح وتقام الولائم وكذلك زواج وطهور أبنائهم وعقيقة مواليدهم وكانوا يتبادلون معنا التهاني بأعيادنا
ابني الحبيب .. أتأسف أيضا علي أيامكم هذه من حيث الإعلام المدفوع بالأحقاد والطيش وعدم البصيرة وانعدام مبدأ تحري الحقيقة في أي موضوع. وأجد أننا كنا أكثر حظا منكم . أيامنا كانت تصدر جرائد مثل جريدة المقطم بها مقالات ومناقشات في كافة الديانات من جميع وجهات النظر ومن جميع أصحاب الديانات وكيف كانت هذه النقاشات تتم بموضوعية وحرفية ونزاهة وصدق تام وأدب جم تأخذ بعقولنا حتي ونحن أطفال أو شباب
أتذكر أيضا يا ولدي أنني وعيت علي ما اذكرعام 1949 وما بعدها كيف كانت تعقد جلسات نقاش تستمر لمدي ليال طوال ويحضرها أناس طيبون من رجال القرية يتناقشون مع عدد ممن اعتنقوا الديانة البهائية من أبناء قريتهم من بينهم من هم حاصلون علي عالمية الأزهر وكيف كانوا جميعا يبحثون عن الحقيقة ويأنس كل منهم برأي الآخر وكانوا يقرأون من الكتب البهائية ويناقشون مدى صحتها من القرآن الكريم والآيات البينات بكل احترام ووضوح حتى لو اختلفوا في شيء كان اختلافهم جميلا مبتغاه الحق ويسترعي الاهتمام حيث يحترم كل منهم عقيدة الآخر. وكانت تناقش كيف كان الاعراض من أتباع كل ديانة سلف علي كل دين سماوي يأتي. كانوا يتضاحكون علي طرفة حدثت يوما في مجلس عزاء بالقرية حيث كان يوجد شخص طيب بسيط مسيحي الديانة يدعي باسليوس كان يتولي صباغة الملابس والعباءات كان حاضرا بمجلس العزاء وسأله فجأة أحد الحاضرين قائلا: ياباسليوس فيه نبي بعد محمد؟ فقال لا .. وهنا بادره صديق كان حاضرا في العزاء وسأله بنفس النبرة قائلا: يابلسليوس فيه نبي بعد عيسي؟ فقال لا..!!
أين أنتم من هذه الأيام من الماضي الجميل القريب
واليوم يا بني وبعد مرور كل هذه السنين وبعد انتشار العلم والحضارة بالرغم من أن زواج والديك بوثيقة زواج بهائية وبالرغم من أن شهادة ميلادك أنت وأختك وكذلك والدتك ووالدك مدون بهم خانة الديانة بهائي ولم يكن هناك ما يدعو أبدا لكل هذه الزعقة والضجة التي أثيرت بلا داع حيث انها لا تنم إلا عن ضيق الأفق وعدم الصبر وغياب أبسط مبادئ إعمال العقول وهو تحري الحقيقة
اليوم وفي القرن الحادي والعشرين وأنا لا أستطيع استخراج رقم قومي وجميعنا نواجه هذه الاشكالية من الحقوق المدنية أبسط مما يترتب عليه هو عدم إمكاني صرف معاشي منذ أشهر. أو عمل أي توكيل باسمي لأي شخص في أي شأن
وأنا أضيف لما قالته أم البهائي المصري: إلى متى يا مصر ستسمحين للذين شوهوا اسمك وتاريخك وأصروا على أن يضيفوا صفحات جديدة غريبة عن طبيعة ناسك الطيبين تحت مسمي "حفظ المصلحة العامة" بأن يعيثوا فيك فسادا! فأنت تحاولين أن تحفظي مصلحة مَن؟ ومِن مَن؟ إلى متى ستتهربين من اتخاذ قرارك وحسم قضيتك؟ ألا تعلمين أن عدم القرار إقرار بالضعف والعجز والقصور! هل ستستمرين بالسماح لأصحاب المصالح السياسية والوصوليين الذين يمثلون مصالحهم وطموحات غيرهم بالتلاعب بقراراتك وأحكام قضاءك! ماذا يحدث يا مصر حتى أنك لا تستطيعين أن تقولي كلمة حق؟ هل صرت من الوهن بحيث تخافين من أن تبثي في قضايا أبناءك؟ فهم يموتون أمام عينيك والعالم شاهد على ذلك، ومع ذلك لا نراك تتحركين. مما تخافين يا مصر؟ احسمي الأمور يا مصر وخذي موقف. موقف يمثل ضمير مصر وتاريخ مصر وحقيقة مصر، ولا تأبهي لما تفكر به الحكومة الإيرانية أو غيرها من القيادات التي نصّبت نفسها وريثة للإسلام وقوامة عليه. فأنت مسئولة أمام شعبك وأبناءك. فإن لهم عليك حق الحماية والرعاية والعدالة. فمتى ستعدلين؟
ولدي الحبيب
ياحسرة علي الماضي الجميل القريب
كنت أتمني لكم أن تعيشوا أياما أسعد من أيامنا ولكن للأسف يؤلمني كثيرا أن أيامكم أسوأ بكثير من كل النواحي فبالرغم مما تتغني به الأنظمة والمؤسسات بمبادئ الحرية والديموقراطية .. التي يبدو أن لا وجود لها إلا لأغراض الدعاية في المؤتمرات الكلامية والمقالات الإنشائية في الجرائد
كم كانت سعادتي اليوم وأنا أقلب أوراقا عائلية قديمة فوجدت عقد زواج جدك وجدتك مؤرخ 1938 ولأنهما يدينان بالديانة البهائية فقد تم عقد الزواج حسب الشريعة البهائية وكانوا في قريتهم (كوم الصعايدة مركز ببا مديرية بني سويف) بصعيد مصر وكم كانت سعادتي أيضا عندما وجدت شهادة ميلادي الصادرة في عام 1943 من مديرية الصحة ببا بني سويف وبها خانة الديانة بهائية. وكلما احتجت لصورة من سجلات المواليد صدرت بنفس البيانات دون تحريف أو تدخل للتزوير من أي جهة
هناك في هذه المنطقة من العالم عام 1925 صدر حكما قضائيا بمحكمة ببا الشرعية كان له كل الأهمية في تاريخ الديانة البهائية بمصر. فبعد الاضطهاد الشديد لمن اعتنقوا الدين البهائي من هذه القرية وبعد أن أقام مأذون القرية دعوي الحسبة يطلب التفريق بين الأزواج لأنهم كانوا قد تزوجوا بعقود اسلامية واعتنقوا الدين الجديد وجاء نطق الحكم من أعلي الجهات الشرعية الاسلامية باستقلال الدين البهائي عن باقي الديانات والاعتراف به دينا جديدا له أصوله وأحكامه. وبناء علي دعوي الحسبة فقد حكم بالتفريق بين الأزواج وكان جدي وجدتي لأمي من ضمن المدعي عليهم ورفضت جدتي (المرأة الصعيدية) تنفيذ الحكم ووقفت أمام أشقاء وأعمام من أسرتها االمتشددين حيث المرأة لا رأي لها وكان يؤازرهم مأذون القرية وتشجعوا بحكم المحكمة لأخذ ابنتهم ولكن بإصرارها علي حقها في تقرير عقيدتها رفضت تنفيذ حكم المحكمة واستمر زواجهما حتي نهاية العمر
وأذكر أياما بعد أن هدأت الأموركيف عشنا نحن الأبناء مع آبائنا وأمهاتنا لسنوات في هذه القرية بكل احترام ومحبة مع أهل هذه القرية كانوا ينزلون ضيوفا في بيتنا وكنا نحتفل معهم بمناسباتهم الدينية والاجتماعية من حلقات ذكر يذبح فيها الذبائح وتقام الولائم وكذلك زواج وطهور أبنائهم وعقيقة مواليدهم وكانوا يتبادلون معنا التهاني بأعيادنا
ابني الحبيب .. أتأسف أيضا علي أيامكم هذه من حيث الإعلام المدفوع بالأحقاد والطيش وعدم البصيرة وانعدام مبدأ تحري الحقيقة في أي موضوع. وأجد أننا كنا أكثر حظا منكم . أيامنا كانت تصدر جرائد مثل جريدة المقطم بها مقالات ومناقشات في كافة الديانات من جميع وجهات النظر ومن جميع أصحاب الديانات وكيف كانت هذه النقاشات تتم بموضوعية وحرفية ونزاهة وصدق تام وأدب جم تأخذ بعقولنا حتي ونحن أطفال أو شباب
أتذكر أيضا يا ولدي أنني وعيت علي ما اذكرعام 1949 وما بعدها كيف كانت تعقد جلسات نقاش تستمر لمدي ليال طوال ويحضرها أناس طيبون من رجال القرية يتناقشون مع عدد ممن اعتنقوا الديانة البهائية من أبناء قريتهم من بينهم من هم حاصلون علي عالمية الأزهر وكيف كانوا جميعا يبحثون عن الحقيقة ويأنس كل منهم برأي الآخر وكانوا يقرأون من الكتب البهائية ويناقشون مدى صحتها من القرآن الكريم والآيات البينات بكل احترام ووضوح حتى لو اختلفوا في شيء كان اختلافهم جميلا مبتغاه الحق ويسترعي الاهتمام حيث يحترم كل منهم عقيدة الآخر. وكانت تناقش كيف كان الاعراض من أتباع كل ديانة سلف علي كل دين سماوي يأتي. كانوا يتضاحكون علي طرفة حدثت يوما في مجلس عزاء بالقرية حيث كان يوجد شخص طيب بسيط مسيحي الديانة يدعي باسليوس كان يتولي صباغة الملابس والعباءات كان حاضرا بمجلس العزاء وسأله فجأة أحد الحاضرين قائلا: ياباسليوس فيه نبي بعد محمد؟ فقال لا .. وهنا بادره صديق كان حاضرا في العزاء وسأله بنفس النبرة قائلا: يابلسليوس فيه نبي بعد عيسي؟ فقال لا..!!
أين أنتم من هذه الأيام من الماضي الجميل القريب
واليوم يا بني وبعد مرور كل هذه السنين وبعد انتشار العلم والحضارة بالرغم من أن زواج والديك بوثيقة زواج بهائية وبالرغم من أن شهادة ميلادك أنت وأختك وكذلك والدتك ووالدك مدون بهم خانة الديانة بهائي ولم يكن هناك ما يدعو أبدا لكل هذه الزعقة والضجة التي أثيرت بلا داع حيث انها لا تنم إلا عن ضيق الأفق وعدم الصبر وغياب أبسط مبادئ إعمال العقول وهو تحري الحقيقة
اليوم وفي القرن الحادي والعشرين وأنا لا أستطيع استخراج رقم قومي وجميعنا نواجه هذه الاشكالية من الحقوق المدنية أبسط مما يترتب عليه هو عدم إمكاني صرف معاشي منذ أشهر. أو عمل أي توكيل باسمي لأي شخص في أي شأن
وأنا أضيف لما قالته أم البهائي المصري: إلى متى يا مصر ستسمحين للذين شوهوا اسمك وتاريخك وأصروا على أن يضيفوا صفحات جديدة غريبة عن طبيعة ناسك الطيبين تحت مسمي "حفظ المصلحة العامة" بأن يعيثوا فيك فسادا! فأنت تحاولين أن تحفظي مصلحة مَن؟ ومِن مَن؟ إلى متى ستتهربين من اتخاذ قرارك وحسم قضيتك؟ ألا تعلمين أن عدم القرار إقرار بالضعف والعجز والقصور! هل ستستمرين بالسماح لأصحاب المصالح السياسية والوصوليين الذين يمثلون مصالحهم وطموحات غيرهم بالتلاعب بقراراتك وأحكام قضاءك! ماذا يحدث يا مصر حتى أنك لا تستطيعين أن تقولي كلمة حق؟ هل صرت من الوهن بحيث تخافين من أن تبثي في قضايا أبناءك؟ فهم يموتون أمام عينيك والعالم شاهد على ذلك، ومع ذلك لا نراك تتحركين. مما تخافين يا مصر؟ احسمي الأمور يا مصر وخذي موقف. موقف يمثل ضمير مصر وتاريخ مصر وحقيقة مصر، ولا تأبهي لما تفكر به الحكومة الإيرانية أو غيرها من القيادات التي نصّبت نفسها وريثة للإسلام وقوامة عليه. فأنت مسئولة أمام شعبك وأبناءك. فإن لهم عليك حق الحماية والرعاية والعدالة. فمتى ستعدلين؟
Sunday, June 24, 2007
ثقافة المصادرة في وطن الخوف
كتبت الصحفية سحر الجعارة بتاريخ ٢٢/٦/٢٠٠٧ في جريدة المصري اليوم مقالة بعنوان ثقافة المصادرة تقارن فيها ردود فعل الغرب "للخيال المباح" وتمسكنا في الشرق بعقيدة "الاضطهاد والمؤامرة على الإسلام ونفوسنا" نستعملها حبلا نشنق به أي فكر يختلف معنا او "يُخيل" لنا أنه اختلف معنا. وتتعرض الكاتبة من خلال مقالتها إلى مصادرة الفلم التسجيلي القصير "عقيدتي البهائية" الذي أنتجه ألأستاذ أحمد عزت على نفقته الخاصة أيمانا منه بضرورة طرح قضية البهائيين المصريين بأمانه للمواطن المصري والعربي ) يمكن مشاهدة مقطع من الفلم الممنوع بالضغط هنا. وفي رأي كاتبة المقالة، الفلم الوثائقي هو: "عرضا أمينا لرأي الجانبين: جماعة البهائية التي خسرت دعوي تدوين بهائي في خانة الديانة، في مقابل المتشددين دينيا ممن ينادون بتطبيق حد الردة أو الحرابة عليهم أو نفيهم من مصر". وتستمر الأخت سحر بتحليلها الشمولي لفكرة المؤامرة وعادة التكفير وردود الفعل المتمثلة بالمصادرة والتشكيك والتخويف والتشنج وتنصيب النفس قوامة على تصرفات الغير وأفكارهم وعقائدهم وممارساتهم حتى لو كانت فردية لا تمس المجتمع من قريب أو من بعيد
وتثير الأخت سحر في مقالها العديد من الأمور الجوهرية التي تمس صلب قدرتنا كمجتمعات عربية على التعايش مع الغير. فهي ترى أن المهم هو أن نبحث في دلالات ممارساتنا بدل محاولة تبرير هذه الممارسات وعرض ما يدعم هذا التبرير. وفي محاولة من الكاتبة لتوصيل مدى خصوصية حرية الاعتقاد تقول: "من يسخر من دعاوي حقوق الإنسان التي تطالب بحرية الاعتقاد، فعليه أن يشهر سيفا ليشق به صدور ملايين من المصريين، لا نعرف شيئا عن ضمائرهم." وتوضح في مقولتها الدرامية والفعالة هذه أنه لا يمكن للآخرين أن يعرفوا أو يتحكموا بما في ضمائر وقلوب الناس، وكم محقة هي في ذلك! وفيما يلي نص المقالة الكامل
إنه فيلم.. لكنه ليس كأي فيلم.. البطل في فيلم (بروس اولميتي) يجسد صورة الله (هذا هو الكفر بعينه والعياذ بالله).. والإله حائر من تذمر البشر الذين لا يملون الطمع!!. ولذا تنازل ليوم واحد عن عنايته للأرض وما عليها لـ«إنسان» من أولئك المتذمرين (جسده جيم كاري)، لنصل في نهاية الفيلم إلي «إدراك» تجاوز الألوهية قدرات البشر المحدودة، ونقر بفكرة الإعجاز الإلهي التي تحار العقول في فهمها
في الغرب (الكافر) لم تدق أجراس الكنائس لتلعن (مورجان فريمان) لأنه جسد صورة الله، لم يتظاهر حاخامات اليهود علي أبواب دور العرض.. وقطعا التشنج العربي لم يمنع عرض الفيلم، والشركة المنتجة لم تخسر كثيرا من مقاطعته عربيا
«الخيال المباح» ليس خطرا علي الأديان السماوية، حتي الأديان «الطفيلية» التي تأخذ شكل الموضات في الغرب لا يرتعد منها إلا المسلمون
نحن من زرع عقدة الاضطهاد والمؤامرة علي الإسلام في نفوسنا، وخلقنا الخوف الهستيري ليس من الديانات السماوية فحسب، بل من أقليات محاصرة في خندق مذهبي ضيق
الخليج بأكمله لم يتضرر من كثافة الوجود الشيعي، لكننا لا نري إلا صراع السنة والشيعة في العراق، ونتمسك بسيناريو الرعب الذي أغرق لبنان في مستنقع الفتنة الطائفية، لنمارس ثقافة المصادرة علي الجميع
لا يهم الآن من الذي صادر الفيلم التسجيلي «عقيدتي البهائية»، الأهم دلالات المصادرة: هل الإسلام دين هش يسهل اختراقه بأفكار الطائفة البهائية؟.. هذا سؤال يجوز طرحه إذا كان الفيلم يروج لأفكار البهائية، لكن الفيلم التسجيلي القصير قدم في ٢٤ دقيقة، عرضا أمينا لرأي الجانبين: جماعة البهائية التي خسرت دعوي تدوين بهائي في خانة الديانة، في مقابل المتشددين دينيا ممن ينادون بتطبيق حد الردة أو الحرابة عليهم أو نفيهم من مصر
الفيلم -كما شاهدته - يوثق لحظة تهدر فيها «الحقوق المدنية» لبعض المصريين الذين خرجوا من عباءة الأديان الثلاثة، وسكنوا خانة «١٩» المقدسة في اعتقادهم. وهذه ليست بدعة من بنات أفكار «أحمد عزت»، لقد سبق أن تبارت جميع الصحف في عرض أفكار البهائية وشعائرهم وكتابهم الأقدس، كما استضافهم الزميل «وائل الإبراشي» علي قناة «دريم» وناقشهم في أفكارهم في حضور من يكفرهم بالقرآن والسنة
وهذا ما فعله الأزهر نفسه، فإذا نظرت الآن إلي المجتمع ستري نصفه يكفر النصف الآخر، بدءا من الخلاف علي صعود السيد «المسيح» أو موته صلبا، وصولا إلي روايات لا يقرأها أحد، ودعاوي حسبة تهدد كل من تجرأ وفكر!
من يسخر من دعاوي حقوق الإنسان التي تطالب بحرية الاعتقاد، فعليه أن يشهر سيفا ليشق به صدور ملايين من المصريين، لا نعرف شيئا عن ضمائرهم
لقد أصبحنا مجتمعا «مهدر الدم»، من الحكومة التي يراها أصحاب «الفكر الجهادي» كافرة لا تطبق شرع الله، إلي الطائفة البهائية التي تم تكفيرها في حيثيات حكم المحكمة
الآن من حق أي مهووس أن يقيم «الحد» علي من يراه كافرا: جارته التي لا ترتدي الحجاب، مفكرًا يسعي لتجديد الخطاب، مبدعا يوثق إشكالية وجود البهائيين، وزيرا يتجاسر ويطلق حرية بناء الكنائس، أو شيعيا أو بهائيا
لقد سقطنا في بحر الضلال حين تصورنا أن «أمن الدولة" مسؤولة حتي عن حماية العقيدة.. تري من المسؤول عن حماية "الأمن الاجتماعي» من الفتنة أو بالأدق الفوضي المقبلة؟
(جملة خاصة لقراء المصري اليوم): في محنة الفقد شعرت أنكم معي، أحسست أن لي بينكم أخوة وأخوات.. كل الامتنان لمشاعركم النبيلة
ومع إنني بهائية مهدورة الدم والحقوق حسب رأي البعض من إخوتي وأخواتي المسلمين، فأنا لا يقض مضجعي أراء هؤلاء الأخوة والأخوات ولا تؤرقني فتاوى الأزهر ومشايخه ولكنني بالعكس أشفق عليهم من سوء فهمهم لحقيقية ما أراده الله تعالى من إرسال رسله وتعاليمه للبشر لتهذيب وصقل النفوس وتطهيرها من كل ما لا يليق بها. أنا في الحقيقة لا استوعب كيف انه من الممكن أن يعيش إنسان ما مع كل هذا الحقد والبغض لإنسان آخر إلى درجة تدفعه إلى منطَقة وتبرير إهدار دم الآخر لمجرد انه يختلف معه في طريقة عبادته للخالق، او لان هذا الآخر يدعى انه على علم برسالة جديدة من الخالق لم تصل سمعهم أو يشكون بصحتها! ما يدهشني فعلا أن الغرور وصل بالبعض إلى درجة اعتقادهم بأنهم بحقدهم يحمون الله ودينه حتى مما يدور في عقل وقلب وخيال وأحلام الآخرين. فأي مستقبل نأمل به في وطن يرى الفرد خلاصَه في التخلص ممن يختلف عنه، في وطن تصادر فيه الأشعار والأفكار والأحلام وصفحات المدونين؟
Saturday, June 16, 2007
سيد عكا وأبو الفقراء
سيد عكا، هذا هو اللقب الذي أطلقة سليم قبعيين الكاتب والمترجم الفلسطيني المشهور على حضرة عبد البهاء، الإبن الأرشد لحضرة بهاء الله، مؤسس الديانة البهائية. وفي خضم كل المحاولات اليائسة التي تقوم بها الجهات المتطرفة لتشويه سمعة الدين البهائي وقياداته، واتهامهم مرة بالجنون وأخرى بالفسق والفساد والفجور، رأيت أنه من الضروري إدراج ما قاله معاصري قيادات الدين البهائي العرب في وصفهم لحياة ومسلك هذه القيادات الذي لا يشوبه شائبة وإنما هو مثال في حسن السيرة والسلوك والعمل الصالح. وأدرجت في نهاية المقال معلومات عن بحث جديد قام بة الشاعر والباحث والأديب البحريني المعاصر علي الجلاوي في كتابه عن البهائيين في البحرين الذي نشر عام 2005م. ومع أن الكتاب يتضمن بعض الاستنتاجات التي تعبر عن رأي الكاتب الشخصي ولا تتفق مع ما يؤمن به البهائيين، الا أنه محاولة جادة تعرض بامانة ونزاهة تاريخ البهائيين في البحرين وحرصهم على خدمة مجتمعهم كما تأمرهم تعاليم دينهم وكما كان يفعل حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء. ولقد اعتمدت قصدا أن أعرض هنا ما كُتب عن حضرةعبد البهاء بقلم سليم قبعين، العربي غير البهائي الذي عرف حضرة عبد البهاء شخصيا لأوضح للقارئ العربي بأن هذا ما قاله العرب أنفسهم عن قيادات البهائية. ومن المؤسف أن زعماء الجماعات الإسلامية المتطرفة الحاليين الذين يفترض أن يكونوا على علم ببعض هذه الكتابات لان البحث في شخص وتاريخ حضرة عبد البهاء مدون في الكتب الإسلامية ولان قبعين والبحري وغيرهم من أعلام الكتاب والصحفين العرب في ذلك والوقت مدحوا البهائية وتعاليمها، ولان قادة مرموقين من كبار العرب والمسلمين ومنهم الأستاذ الإمام محمد عبده نفسه قد قالوا رأيهم في وصف خصال حضرة عبد البهاء الحميدة، فانا أستغرب كيف يستمرالعديد من قادة المسلمين الدينيين الحالين في مصر وغيرها في نشر أكاذيبهم وتلفيق الادعاءات ضد البهائية والبهائيين. ومن المؤسف أيضا أننا لا نرى من يدعو الى إيقاف ذلك وإظهار الحق بين المسلمين سوى القلة القليلة
في رأيي، أن تكون قائدا دينيا بغض النظر عن الدين الذي تتبعه، يفرض عليك أن تكون موضع ثقة وأن لا تخاف من قول الحق "ولو كان على قطع رأسك".. لا يعني اعترافنا بالمزايا الطيبة لمن نختلف معهم في الرأي اعترافا منا بما يؤمنون به، فهناك فصل واضح بين ما يتفق وما يختلف عليه الاسلام والبهائية، ولن يجعل الذين يقولون كلمة حق في البهائية منهم أتباعا لها لمجرد اعترافهم بخصال البهائية الحميدة والمفيد مما تطرحه. فمن الجدير بالقيادات الدينية أن تكون مثالا للصدق والإنصاف أذا كانت ترغب في رضى الله واحترام أتباعها. ومن الغريب ان هذا كان يعتبر في ثقافتنا العربية من الممارسات المتفق عليها كضرورة اجتماعية، فماذا جرى لعاداتنا وتقاليدنا العريقة؟ فها نحن نرى المرتزقة اليوم، تحت لواء الدين، يذبحون الثقافة والعادات العربية ويقدمونها قربانا للحفاظ على مناصبهم وإضلالا منهم للناس وبعثا للفتنة بينهم. وأنا كغير مسلمة أرى أن هذا ليس بالإسلام السمح من شيء، فكيف لا يرى بعض المسلمين أنفسهم هذا؟
وأعود هنا للحديث عن سليم قبعين وما كتب. سليم قبعين كما ذكرت، كاتب ومترجم فلسطيني ولد في مدينة الناصرة في 1870 م. وكان من أوائل خريجي دار المعلمين الروسية فيها. شارك في إنشاء عدة صحف مصرية و كان له نشاط وفير في مقالاتها. من إنجازاته المشهورة تعريف القارئ العربي بكبار الكتاب الروس أمثال مكسيم غوركي وتولستوي وبوشكين وغيرهم من خلال ترجمته للعديد من كتبهم. ومن بين الأعمال الأخرى التي ترجمها كتاباً لتولستوي بعنوان "حِكَم النبي محمد" ترجمه عام 1912 م. وانقل فيما يلي حرفيا من كتاب الأستاذ سليم قبعين بعنوان عبد البهاء والبهائية (يدرج موقع حقائق عن الدين البهائي بابان من أبواب هذا الكتاب) وهو كتاب نشرته دار العمران في القاهرة عام 1922 م . ويضم الكتاب عددا كبيرا من النصوص والمراسلات التي تمت بين حضرت عبد البهاء وأعيان العرب في المنطقة. ويضم الكتاب أيضا عدد كبيرا من القصائد والمراثي التي قالها العرب حين وفاة عبد البهاء وفي مناسبة ذكرى الأربعين من وفاته، والعديد من هذه النصوص مدرج أيضا في كتاب عبد البهاء عباس والديانة البهائية. تأليف جميل البحري (صاحب المكتبة الوطنية ومجلة زهرة الجميل) - المكتبة الوطنية - حيفا - 30 تشرين الثاني 1921م. وهنا نص من كتابه
قلنا أنّ عباس أفندي أقام نفسه مثالاً في أعمال البرّ وخصال الخير، وقدوة حسنة للمؤمنين والراغبين في سلوك سبيل السلامة، فلا بأس أنْ نلخّص لحضرات القرّاء ما مهّد به المستر فيليب المحامي بمدينة نيويورك بأمريكا تاريخه عن البهائية، من الكلمة التي كتبها عن عباس أفندي وجعلها طالعة كلامه قال: نزلت في سياحتي الفلسطينية بمدينة عكاء في منزل عتيق يطلّ على شارع مبلّط قليل الاتّساع، بحيث يتسنّى للرجل النشيط أنْ ينظفه في لمحات قليلة، تعلوه شمس فلسطين اللاّمعة المضيئة. وعلى يمينه السور البحري القديم والبحر الأبيض المتوسط
وفي ذات يوم (بعد شهر أقمته بذلك المنزل) بينما نحن جلوس، وإذا بجلبة عظيمة وضجّة وضوضاء على بعد ثلاثين قدماً منّا، ففتحنا النافذة فوقع نظرنا على جملة أناس بأثواب بالية مرقّعة ممزّقة. ثمّ نزلنا لنرى من هؤلاء، فعلمنا أنّهم من البائسين الجديرين بالإحسان، إذ تراهم بين عميان ونحاف نحال صفر الألوان، وشيوخ طاعنين في السّن من ذوي العكازات العاجزين عن المشي والضعاف الذين لا يمشون إلاّ بشقّ الأنفس ومن بينهم نساء مقنّعات، وبانكشاف المقنّعات عرفنا أنّهن لم يسترن إلاّ البؤس المؤلم
ومنهن من يحملن أطفالاً نحال الأبدان، صفر الألوان، ويبلغ هذا الجمع نحو مائة شخص سوى كثيرين من الأطفال وهم يكوّنون في مجموعهم جميع العناصر التي يراها المارّ في هذه الشوارع من شوام وعرب وزنوج وغيرهم. وما لبث هذا الجمع أنْ اصطفّوا منتظرين، فطفقنا ننظر ماذا ينتظر هؤلاء، وإذا بباب قد فتح وخرج منه رجل متوسّط القامة منتظم التركيب، يلبس قفطاناً أبيض وعلى رأسه العمامة ويبلغ من العمر نحو ستين سنة، ويتدلّى شعره المشوب بالشيب على كتفيه عريض الجبهة الوضاحة العالية، قاني الأنف خفيف الشارب واللحية المستديرة التي وخط شعرها المشيب ذو عينين زرقاوين واسعتين مع نظر ثاقب وهيئة بسيطة إلاّ أنّ في انتظام حركاته ما يدلّ على الجمال والجلال
خرج هذا الرجل واتّجه نحو الجميع، وبوصوله إليهم أخذ يحييهم بألفاظ لا نفهمها، ولكن ما يرى من هيئته ينم عن رقّة وشفقة، ثمّ وقف في زاوية ضيّقة من الشارع، وأشار إليهم بالإقبال عليه، فالتفّوا حوله التفاف السوار بالمعصم، إلاّ أنّه كان يبعدهم عنه بلطف ويدعوهم بالمرور أمامه واحداً واحداً، وكلّما مرّ عليه رجل من القوم رأيت يده إليه ممدودة حيث يضع بعض النقود وهو يعرفهم جميعاً ويلاطفهم بوضع يده على وجوههم تارة وعلى أكتافهم ورؤوسهم تارة أخرى، ويوقف بعضهم ويستعلم عن حاله، ويحيّي بعض العبيد المتقدمين في السن بالاستعلام منه عن أمره ببعض عبارات رقيقة، فيبدو السرور على وجه الرجل وتظهر ثناياه البيضاء من وجهه الأبنوسي عند الجواب. وتارة يوقف بعض السيدات ويلاعب طفلها بشفقة عظيمة، وحين مرورهم عليه، وتقبيل بعضهم يديه يحيّيهم جميعاً بقوله (مرحباً مرحباً) وعلى هذا النحو يمرّ الجميع
وقد كان الأطفال ملتفّين حوله وأيديهم ممدودة، ولكنه لم يعطهم شيئاً، وحين همّ بالرجوع، نثر قبضة من العملة النحاسية حيث كان الكلّ من أجل ذلك في نزاع. وقد كان صاحبنا الملقّب بأبي الفقراء متبوعاً بجملة رجال يلبسون الطرابيش الحمر، ويظهر على وجوههم الحنان والبِشر، وكانوا وقوفاً بالقرب منه، ولهم يد في تنظيم هذا الجمع. فلمّا قفل راجعاً، تبعوه مع غاية الاحترام حيث يتأخرون عنه مسافة وكلّما أرادوا نداءَه دعوه بلفظ (المولى)
ويمكنك أنْ ترى هذا المنظر بشوارع عكاء في أيّ يوم من أيام السنة، وله نظائر مماثلة له، لكنّها لا تحدث إلاّ في ابتداء الشتاء حيث يتألم الفقراء. ويمكنك (لو دلّك إنسان على الزمان والمكان) أنْ ترى فقراء عكاء مجتمعين في أحد حوانيت بائعي الملابس ليستلم كلّ منهم رداء من (المولى) وهو يلبس أغلبهم بنفسه وخصوصاً العجزة والمقعدين ويقيسها عليهم بيديه قائلاً لهم (مبروك). ويوجد بعكاء نحو خمسمائة أو ستمائة فقير يأخذ كلّ منهم رداء جميلاً منه كلّ عام. وفي أيام المواسم يزور الفقراء في بيوتهم ويسألهم عن حالهم وعن صحتهم وراحتهم ذاكراً أسماء الغائبين منهم، ويترك هدايا للجميع. وليس فقط هؤلاء الشحاذون الذين يوجّه عنايته إليهم، بل ينتظم في سلك عنايته أيضاً أناس لا يمكنهم إراقة ماء وجوههم بذلّ السؤال، وإنّما يتألمون في نفوسهم كالذين لا يكفيهم مكسبهم اليومي ولا يعول عائلاتهم. لمثل هؤلاء يرسل الخبز سرّاً بحيث لا تعرف يمينه ما تصنعه شماله. الناس جميعاً يعرفونه ويحبونه غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، حتّى الأطفال في أحضان أمهاتهم لو سمع أنّ أحدهم ألمّ به المرض مسلماً أو مسيحياً أو متديناً بأيّ دين، كان يهتم بذلك كثيراً وتراه عندهم بجانب فراشهم كلّ يوم أو يرسل رسولاً أميناً. ولو كان العليل فقيراً واقتضى الحال طبيباً أرسل في طلب طبيب وفي استدعاء الإسعافات الضرورية من الدواء. وإذا وجد أنّ سقف المكان غير محكم أو زجاج بعض النوافذ مكسوراً وأنّ ذلك مهدّداً للصحة أرسل في استحضار أحد العمال للإصلاح، ثم انتظر تمام العمل ليتأكد من حصول المطلوب. وإذا تعب أحدهم أو أُلقي أحد أقاربه في أعماق السجون أو وقع تحت طائلة القانون أو حدثت له مشكلة نأى عن حملها، توجّه في الحال إلى (المولى) ليستنجده أو ليستمد منه النصيحة أو المعونة. نعم يحضر الجميع ليستمدوا منه النصيحة، غنيهم وفقيرهم، كاستمدادهم من أب شفوق لهم وأظن أنّ القارئ يتوهّم في رجل جواد كهذا يعطي بلا حساب أنّه غني، لا وعمر الحقّ، ولو أنّه كان من أغنى عائلة في الفرس، ومع هذا فإنّ الرجل جرى عليه ما جرى على الجليلين، ذلك أنّه منذ خمسين سنة نفي وسجن هو وعائلته، وصودر بعض أملاكه ونهب البعض الآخر، ولم يبق له إلاّ القليل. وحيث أنّ ما لديه اليوم كذلك فهو يقتصد من نفقاته كي يتمكّن من الإحسان. وملابسه عادة قطنية رخيصة الثمن، ولا يسمح لعائلته بعيشة الرفاهية ولا يأكل سوى مرّة واحدة في اليوم ويكفيه شيء من الخبز والزيتون والجبن، أمّا غرفته فصغيرة وعارية من الأثاث وليس فيها سوى حصيرة. ودائماً يقول كيف أتمتّع بنوم الرفاهية بينما الكثير من الفقراء ليس لهم مأوى لذا ينام على البلاط ويلف نفسه بعبائته فقط
ومنذ مدّة تربو على أربعة وثلاثين عاماً، سجن هذا الرجل بمدينة عكاء، ولكن سجّانيه أصبحوا من أحبائه، فحاكم المدينة وقائد حاميتها يحترمانه ويبجّلانه كأنّه أخوهما، ولا يعتبران إلاّ نصائحه، ولا يعملان إلاّ برأيه، وهو محبوب من جميع طبقات شعب هذه المدينة كبيرها وصغيرها، وهو طبعاً محب للجميع كيف لا وهو المحافظ الوحيد للقانون الذي قنّنه عيسى الناصري (أنْ تحسن إلى من أساء إليك) فهل سمع أحدكم للآن برجل في العالم يفتخر بأنّه يقتفي أثر السيد المسيح الذي كان يعيش تلك المعيشة. هذا السيد بسيط بقدر عظمة روحه، ولا يطلب لنفسه شيئاً من التسلية أو الاحترام أو الراحة، فثلاث أو أربع ساعات كافية لنومه، وباقي وقته مصروف في إغاثة أهل البؤس والعوز ودائماً يقول أنا عبد الله وخادمه
هذا هو عباس أفندي، سيد عكاء، وفي تقديم ترجمته إلى القارئ قد ذكرت أخلاقه الخارقة للعادة والتي تؤثّر في القلوب تأثيراً عظيماً. ولكن هذه الصفات لم تكن إلاّ أزهاراً يانعة ملائمة للطبيعة الكائنة في محتويات وجوده. أمّا أحواله المتنوعة المختصّة بحياته، فإنّك تجده ثابتاً شديداً، بينما تجده في حالة أخرى لين الجانب شفوقاً حنوناً وهو في عائلته المحور الذي تدور عليه والرأس المفكّر المدبّر والوالد الحنون والزوج الودود، وهو بين الرجال قوي جدّي ذو عزم ثابت وفراسة صادقة وفكرة متوقّدة وحكم مسموع نافذ وإدراك حقّ وبين أتباعه منوط بكلّ الأعمال يدبر وينظم مصالحهم
هذا جزء بسيط مما أدرجه سليم قبعين عن مزايا وخصال حضرة عبد البهاء. سأحاول نشر المزيد من مقتطفات هذا الكتاب في مقالات قادمة. وأتمنى لو يقوم الدارسين العرب بالبحث في حقائق الأمور فيما يتعلق بالبهائية ونشر نتائج ابحاتهم ودراستهم وتوضيح تاريخ البهائية في العالم العربي وعلاقة البهائيين في المجتمعات العربية منذ بداية الدين البهائي حتى يومنا هذا. ولا يسعني هنا سوى أن أؤكد حاجتنا لمزيد من البحث العلمي الموضوعي الذي يهدف الى وصف حقيقة ونتائج التواجد الاجتماعي للبهائيين في المجتمعات العربية كما كتب ونشر الشاعر والأديب البحريني علي الجلاوي في كتابه: البهائية: السيرة – التأسيس – المعتقد (البهائيون في البحرين أنموذجا). لقد نشر هذا الكتاب عام 2005م ونشره مركز الجلاوي للدراسات والبحوث. ويمكن الاطلاع على تعليق على الكتاب بقلم علي أحمد الديري نشرته صحيفة الوقت البحرينية في عددها 355 بتأريخ 10 فبراير عام 2007م. وارجو أن يشجع عمل الاديب والباحث العربي علي الجلاوي أخرين بدراسة وضع البهائيين بينهم ونامل أن يستمر الجلاوي في بحثه عن الحقيقة ويسخر قلمه لتبينها للقاريء العربي مهما كان ما توصل اليه من نتائج. فالبحت عن الحقيقة في رأيي "مشوار عمر" . وفيما يلي معلومات عن الكتاب
رقم الناشر الدولي: ISBN 999019-66-05
العنوان:P.O. Box Manama, Bahrain.
رقم الفاكس: 973-1740-6027
jallawi@yahoo.com http://www.jallawi.org/
في رأيي، أن تكون قائدا دينيا بغض النظر عن الدين الذي تتبعه، يفرض عليك أن تكون موضع ثقة وأن لا تخاف من قول الحق "ولو كان على قطع رأسك".. لا يعني اعترافنا بالمزايا الطيبة لمن نختلف معهم في الرأي اعترافا منا بما يؤمنون به، فهناك فصل واضح بين ما يتفق وما يختلف عليه الاسلام والبهائية، ولن يجعل الذين يقولون كلمة حق في البهائية منهم أتباعا لها لمجرد اعترافهم بخصال البهائية الحميدة والمفيد مما تطرحه. فمن الجدير بالقيادات الدينية أن تكون مثالا للصدق والإنصاف أذا كانت ترغب في رضى الله واحترام أتباعها. ومن الغريب ان هذا كان يعتبر في ثقافتنا العربية من الممارسات المتفق عليها كضرورة اجتماعية، فماذا جرى لعاداتنا وتقاليدنا العريقة؟ فها نحن نرى المرتزقة اليوم، تحت لواء الدين، يذبحون الثقافة والعادات العربية ويقدمونها قربانا للحفاظ على مناصبهم وإضلالا منهم للناس وبعثا للفتنة بينهم. وأنا كغير مسلمة أرى أن هذا ليس بالإسلام السمح من شيء، فكيف لا يرى بعض المسلمين أنفسهم هذا؟
وأعود هنا للحديث عن سليم قبعين وما كتب. سليم قبعين كما ذكرت، كاتب ومترجم فلسطيني ولد في مدينة الناصرة في 1870 م. وكان من أوائل خريجي دار المعلمين الروسية فيها. شارك في إنشاء عدة صحف مصرية و كان له نشاط وفير في مقالاتها. من إنجازاته المشهورة تعريف القارئ العربي بكبار الكتاب الروس أمثال مكسيم غوركي وتولستوي وبوشكين وغيرهم من خلال ترجمته للعديد من كتبهم. ومن بين الأعمال الأخرى التي ترجمها كتاباً لتولستوي بعنوان "حِكَم النبي محمد" ترجمه عام 1912 م. وانقل فيما يلي حرفيا من كتاب الأستاذ سليم قبعين بعنوان عبد البهاء والبهائية (يدرج موقع حقائق عن الدين البهائي بابان من أبواب هذا الكتاب) وهو كتاب نشرته دار العمران في القاهرة عام 1922 م . ويضم الكتاب عددا كبيرا من النصوص والمراسلات التي تمت بين حضرت عبد البهاء وأعيان العرب في المنطقة. ويضم الكتاب أيضا عدد كبيرا من القصائد والمراثي التي قالها العرب حين وفاة عبد البهاء وفي مناسبة ذكرى الأربعين من وفاته، والعديد من هذه النصوص مدرج أيضا في كتاب عبد البهاء عباس والديانة البهائية. تأليف جميل البحري (صاحب المكتبة الوطنية ومجلة زهرة الجميل) - المكتبة الوطنية - حيفا - 30 تشرين الثاني 1921م. وهنا نص من كتابه
قلنا أنّ عباس أفندي أقام نفسه مثالاً في أعمال البرّ وخصال الخير، وقدوة حسنة للمؤمنين والراغبين في سلوك سبيل السلامة، فلا بأس أنْ نلخّص لحضرات القرّاء ما مهّد به المستر فيليب المحامي بمدينة نيويورك بأمريكا تاريخه عن البهائية، من الكلمة التي كتبها عن عباس أفندي وجعلها طالعة كلامه قال: نزلت في سياحتي الفلسطينية بمدينة عكاء في منزل عتيق يطلّ على شارع مبلّط قليل الاتّساع، بحيث يتسنّى للرجل النشيط أنْ ينظفه في لمحات قليلة، تعلوه شمس فلسطين اللاّمعة المضيئة. وعلى يمينه السور البحري القديم والبحر الأبيض المتوسط
وفي ذات يوم (بعد شهر أقمته بذلك المنزل) بينما نحن جلوس، وإذا بجلبة عظيمة وضجّة وضوضاء على بعد ثلاثين قدماً منّا، ففتحنا النافذة فوقع نظرنا على جملة أناس بأثواب بالية مرقّعة ممزّقة. ثمّ نزلنا لنرى من هؤلاء، فعلمنا أنّهم من البائسين الجديرين بالإحسان، إذ تراهم بين عميان ونحاف نحال صفر الألوان، وشيوخ طاعنين في السّن من ذوي العكازات العاجزين عن المشي والضعاف الذين لا يمشون إلاّ بشقّ الأنفس ومن بينهم نساء مقنّعات، وبانكشاف المقنّعات عرفنا أنّهن لم يسترن إلاّ البؤس المؤلم
ومنهن من يحملن أطفالاً نحال الأبدان، صفر الألوان، ويبلغ هذا الجمع نحو مائة شخص سوى كثيرين من الأطفال وهم يكوّنون في مجموعهم جميع العناصر التي يراها المارّ في هذه الشوارع من شوام وعرب وزنوج وغيرهم. وما لبث هذا الجمع أنْ اصطفّوا منتظرين، فطفقنا ننظر ماذا ينتظر هؤلاء، وإذا بباب قد فتح وخرج منه رجل متوسّط القامة منتظم التركيب، يلبس قفطاناً أبيض وعلى رأسه العمامة ويبلغ من العمر نحو ستين سنة، ويتدلّى شعره المشوب بالشيب على كتفيه عريض الجبهة الوضاحة العالية، قاني الأنف خفيف الشارب واللحية المستديرة التي وخط شعرها المشيب ذو عينين زرقاوين واسعتين مع نظر ثاقب وهيئة بسيطة إلاّ أنّ في انتظام حركاته ما يدلّ على الجمال والجلال
خرج هذا الرجل واتّجه نحو الجميع، وبوصوله إليهم أخذ يحييهم بألفاظ لا نفهمها، ولكن ما يرى من هيئته ينم عن رقّة وشفقة، ثمّ وقف في زاوية ضيّقة من الشارع، وأشار إليهم بالإقبال عليه، فالتفّوا حوله التفاف السوار بالمعصم، إلاّ أنّه كان يبعدهم عنه بلطف ويدعوهم بالمرور أمامه واحداً واحداً، وكلّما مرّ عليه رجل من القوم رأيت يده إليه ممدودة حيث يضع بعض النقود وهو يعرفهم جميعاً ويلاطفهم بوضع يده على وجوههم تارة وعلى أكتافهم ورؤوسهم تارة أخرى، ويوقف بعضهم ويستعلم عن حاله، ويحيّي بعض العبيد المتقدمين في السن بالاستعلام منه عن أمره ببعض عبارات رقيقة، فيبدو السرور على وجه الرجل وتظهر ثناياه البيضاء من وجهه الأبنوسي عند الجواب. وتارة يوقف بعض السيدات ويلاعب طفلها بشفقة عظيمة، وحين مرورهم عليه، وتقبيل بعضهم يديه يحيّيهم جميعاً بقوله (مرحباً مرحباً) وعلى هذا النحو يمرّ الجميع
وقد كان الأطفال ملتفّين حوله وأيديهم ممدودة، ولكنه لم يعطهم شيئاً، وحين همّ بالرجوع، نثر قبضة من العملة النحاسية حيث كان الكلّ من أجل ذلك في نزاع. وقد كان صاحبنا الملقّب بأبي الفقراء متبوعاً بجملة رجال يلبسون الطرابيش الحمر، ويظهر على وجوههم الحنان والبِشر، وكانوا وقوفاً بالقرب منه، ولهم يد في تنظيم هذا الجمع. فلمّا قفل راجعاً، تبعوه مع غاية الاحترام حيث يتأخرون عنه مسافة وكلّما أرادوا نداءَه دعوه بلفظ (المولى)
ويمكنك أنْ ترى هذا المنظر بشوارع عكاء في أيّ يوم من أيام السنة، وله نظائر مماثلة له، لكنّها لا تحدث إلاّ في ابتداء الشتاء حيث يتألم الفقراء. ويمكنك (لو دلّك إنسان على الزمان والمكان) أنْ ترى فقراء عكاء مجتمعين في أحد حوانيت بائعي الملابس ليستلم كلّ منهم رداء من (المولى) وهو يلبس أغلبهم بنفسه وخصوصاً العجزة والمقعدين ويقيسها عليهم بيديه قائلاً لهم (مبروك). ويوجد بعكاء نحو خمسمائة أو ستمائة فقير يأخذ كلّ منهم رداء جميلاً منه كلّ عام. وفي أيام المواسم يزور الفقراء في بيوتهم ويسألهم عن حالهم وعن صحتهم وراحتهم ذاكراً أسماء الغائبين منهم، ويترك هدايا للجميع. وليس فقط هؤلاء الشحاذون الذين يوجّه عنايته إليهم، بل ينتظم في سلك عنايته أيضاً أناس لا يمكنهم إراقة ماء وجوههم بذلّ السؤال، وإنّما يتألمون في نفوسهم كالذين لا يكفيهم مكسبهم اليومي ولا يعول عائلاتهم. لمثل هؤلاء يرسل الخبز سرّاً بحيث لا تعرف يمينه ما تصنعه شماله. الناس جميعاً يعرفونه ويحبونه غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، حتّى الأطفال في أحضان أمهاتهم لو سمع أنّ أحدهم ألمّ به المرض مسلماً أو مسيحياً أو متديناً بأيّ دين، كان يهتم بذلك كثيراً وتراه عندهم بجانب فراشهم كلّ يوم أو يرسل رسولاً أميناً. ولو كان العليل فقيراً واقتضى الحال طبيباً أرسل في طلب طبيب وفي استدعاء الإسعافات الضرورية من الدواء. وإذا وجد أنّ سقف المكان غير محكم أو زجاج بعض النوافذ مكسوراً وأنّ ذلك مهدّداً للصحة أرسل في استحضار أحد العمال للإصلاح، ثم انتظر تمام العمل ليتأكد من حصول المطلوب. وإذا تعب أحدهم أو أُلقي أحد أقاربه في أعماق السجون أو وقع تحت طائلة القانون أو حدثت له مشكلة نأى عن حملها، توجّه في الحال إلى (المولى) ليستنجده أو ليستمد منه النصيحة أو المعونة. نعم يحضر الجميع ليستمدوا منه النصيحة، غنيهم وفقيرهم، كاستمدادهم من أب شفوق لهم وأظن أنّ القارئ يتوهّم في رجل جواد كهذا يعطي بلا حساب أنّه غني، لا وعمر الحقّ، ولو أنّه كان من أغنى عائلة في الفرس، ومع هذا فإنّ الرجل جرى عليه ما جرى على الجليلين، ذلك أنّه منذ خمسين سنة نفي وسجن هو وعائلته، وصودر بعض أملاكه ونهب البعض الآخر، ولم يبق له إلاّ القليل. وحيث أنّ ما لديه اليوم كذلك فهو يقتصد من نفقاته كي يتمكّن من الإحسان. وملابسه عادة قطنية رخيصة الثمن، ولا يسمح لعائلته بعيشة الرفاهية ولا يأكل سوى مرّة واحدة في اليوم ويكفيه شيء من الخبز والزيتون والجبن، أمّا غرفته فصغيرة وعارية من الأثاث وليس فيها سوى حصيرة. ودائماً يقول كيف أتمتّع بنوم الرفاهية بينما الكثير من الفقراء ليس لهم مأوى لذا ينام على البلاط ويلف نفسه بعبائته فقط
ومنذ مدّة تربو على أربعة وثلاثين عاماً، سجن هذا الرجل بمدينة عكاء، ولكن سجّانيه أصبحوا من أحبائه، فحاكم المدينة وقائد حاميتها يحترمانه ويبجّلانه كأنّه أخوهما، ولا يعتبران إلاّ نصائحه، ولا يعملان إلاّ برأيه، وهو محبوب من جميع طبقات شعب هذه المدينة كبيرها وصغيرها، وهو طبعاً محب للجميع كيف لا وهو المحافظ الوحيد للقانون الذي قنّنه عيسى الناصري (أنْ تحسن إلى من أساء إليك) فهل سمع أحدكم للآن برجل في العالم يفتخر بأنّه يقتفي أثر السيد المسيح الذي كان يعيش تلك المعيشة. هذا السيد بسيط بقدر عظمة روحه، ولا يطلب لنفسه شيئاً من التسلية أو الاحترام أو الراحة، فثلاث أو أربع ساعات كافية لنومه، وباقي وقته مصروف في إغاثة أهل البؤس والعوز ودائماً يقول أنا عبد الله وخادمه
هذا هو عباس أفندي، سيد عكاء، وفي تقديم ترجمته إلى القارئ قد ذكرت أخلاقه الخارقة للعادة والتي تؤثّر في القلوب تأثيراً عظيماً. ولكن هذه الصفات لم تكن إلاّ أزهاراً يانعة ملائمة للطبيعة الكائنة في محتويات وجوده. أمّا أحواله المتنوعة المختصّة بحياته، فإنّك تجده ثابتاً شديداً، بينما تجده في حالة أخرى لين الجانب شفوقاً حنوناً وهو في عائلته المحور الذي تدور عليه والرأس المفكّر المدبّر والوالد الحنون والزوج الودود، وهو بين الرجال قوي جدّي ذو عزم ثابت وفراسة صادقة وفكرة متوقّدة وحكم مسموع نافذ وإدراك حقّ وبين أتباعه منوط بكلّ الأعمال يدبر وينظم مصالحهم
هذا جزء بسيط مما أدرجه سليم قبعين عن مزايا وخصال حضرة عبد البهاء. سأحاول نشر المزيد من مقتطفات هذا الكتاب في مقالات قادمة. وأتمنى لو يقوم الدارسين العرب بالبحث في حقائق الأمور فيما يتعلق بالبهائية ونشر نتائج ابحاتهم ودراستهم وتوضيح تاريخ البهائية في العالم العربي وعلاقة البهائيين في المجتمعات العربية منذ بداية الدين البهائي حتى يومنا هذا. ولا يسعني هنا سوى أن أؤكد حاجتنا لمزيد من البحث العلمي الموضوعي الذي يهدف الى وصف حقيقة ونتائج التواجد الاجتماعي للبهائيين في المجتمعات العربية كما كتب ونشر الشاعر والأديب البحريني علي الجلاوي في كتابه: البهائية: السيرة – التأسيس – المعتقد (البهائيون في البحرين أنموذجا). لقد نشر هذا الكتاب عام 2005م ونشره مركز الجلاوي للدراسات والبحوث. ويمكن الاطلاع على تعليق على الكتاب بقلم علي أحمد الديري نشرته صحيفة الوقت البحرينية في عددها 355 بتأريخ 10 فبراير عام 2007م. وارجو أن يشجع عمل الاديب والباحث العربي علي الجلاوي أخرين بدراسة وضع البهائيين بينهم ونامل أن يستمر الجلاوي في بحثه عن الحقيقة ويسخر قلمه لتبينها للقاريء العربي مهما كان ما توصل اليه من نتائج. فالبحت عن الحقيقة في رأيي "مشوار عمر" . وفيما يلي معلومات عن الكتاب
رقم الناشر الدولي: ISBN 999019-66-05
العنوان:P.O. Box Manama, Bahrain.
رقم الفاكس: 973-1740-6027
jallawi@yahoo.com http://www.jallawi.org/


